مقالات تاريخية

البعد التاريخي في فن المقامة الأدبية: وصية الناصح الأود في التحفظ من المرض الوافد إذا وفد لأبي عمرو محمد بن منظور القيسي نموذجا

الكاتب: د. رقية بن خيرة

إلى زمن غير بعيد كان ينظر إلى فن المقامة على أنّه لون أدبي صرف خالٍ من أي أحداث تاريخية من شأنها أن تكشف لنا علاقة الأديب بواقعه، بالنظر لطبيعة بنائها الفني القائم على المحسنات البديعة والتصنع في الأسلوب المخل أحيانا بالمعنى، مما جعلها بعيدة كل البعد عن الواقع التاريخي؛ فهي في نظر البعض لا تعدو أن تكون تجربة أدبية عكست الذوق الفني لكاتبها وأظهرت مقدرته اللغوية والبلاغية، في حين هي في نظر البعض الآخر مجرد عمل أدبي هجين ظل يتأرجح بين السرد النثري والطابع القصصي الغارق في الخيال الأدبي.

ومع اتساع مفهوم الوثيقة التاريخية والسعي إلى صياغة إشكاليات جديدة تعنى أكثر بالممارسات الثقافية وعلاقاتها الجدلية بمختلف السياقات التاريخية التي حفت بإنتاجها ضمن ما بات يعرف بسوسيولوجيا المعرفة، أضحى ينظر إلى المقامة بأنّها وثيقة تاريخية يمكن لها أن تجلي العديد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأن تميط اللثام عن الأنماط السلوكية والذهنيات والتاريخ النفسي، بل وعن عوائد المجتمع وقيمه وطبائعه وأخلاقه التي قلما تجود بها المصادر الرسمية، لكونها مادة تعبيرية حملت في طياتها أحداثا ووقائع رصدت حركة الإنسان بمجتمعه؛ فعبرت عن رؤية كاتبها وروح عصره ضمن قالب فني تمازج فيه البعدين الأدبي والتاريخي.

تعد مقامة “وصية الناصح الأود في التحفظ من المرض الوافد إذا وفد لأبي عمرو محمد بن منظور القيسي المتوفي سنة888هــــ/1483م أو 889هــ/ــ1484م“، من المقامات الأدبية الهامة التي يمكن من خلالها أن نتدارس علاقة التأثر والتأثير بين الأدب والتاريخ، ولا تعود أهميتها إلى طرافتها وندرة موضوعها الذي جمع بين الاتجاهين الأدبي والطبي في معالجتها لوباء سنة 884هــ/ 1479م الذي ضرب مدينة غرناطة، وإنّما تعود أهميتها إلى تلك القضايا التاريخية التي أثارتها كمفهوم الوباء ومسبباته وتداعياته الاجتماعية والصحية والسجال الفكري والفقهي الذي دارت رحاه حول مسألة الخروج من المنطقة الموبوءة أو الدخول إليها ومسألة العدوى وغيرها من المسائل الفقهية والطبية، ناهيك عن الاشكاليات التاريخية المرتبطة بقضايا تدبير المجال وعلاقة الوباء بالنقلات الاقتصادية والاجتماعية من قبيل المضاربة والاحتكار والادخار وإن كانت كلها إشكاليات ذات ارتباط وثيق الصلة ببعضها البعض:

  1. العلاقة بين المركز والأطراف حيث ظلت الأطراف في تبعية تامة وكلية للمركز وهذا ما يتجلى في مناداة مدينة مالقة لعاصمة المملكة النصرية غرناطة بسيدتي مع اظهار علامات الاجلال والولاء لها وإن كانت مالقة في محاورتها لغرناطة حول هذا الوباء تنطلق من مبدأ التفاضل والتفاخر في صورة تعكس سعي الأطراف الهامشية لاحتلال مكانة المركز كلما سنحت الفرصة بذلك مغتنمة أزمة الوباء وما أحدثته تداعياته المتواترة على المركز في مرحلة انتفت معها مقدرته على حمل أعباء الإدارة والحكم، ولعل هذا ما يكشفه لنا طلب مالقة من غرناطة بالسماح للسلطان بالوفود إليها كون هواءها أنقى وأصح رغم ما كان يفرضه هذا الطلب من التعارض مع مقتضى الشرع الذي كان يحرم الخروج من المنطقة الموبوءة أو الدخول إليها.
  2. مسألة الاحتكار والغلاء في الأسعار والمضاربة فيها، وعلاقتها أيضا بالمجال حيث تنتفض مالقة مفتخرة بكونها أرخص سعرا وأكثر قوتا وتنعدم فيها المضاربة، مما يشي بأنّ تداعيات الأزمة تستفحل أكثر في المركز لكونه أكثر كثافة سكانية الأمر الذي ينعكس على ندرة السلع نتيجة كثرة الطلب وقلة العرض مما يخلف أزمة غذائية يكون أولى ضحاياها الأطفال والفئات الضعيفة والمعدومة مما لا ينفع معه تخزين أو ادخار.
  3. من المسائل الهامة التي تثيرها هذه المقامة أيضا بل وكاتبها نفسه مسألة السجال الفكري الذي احتدم بخصوص العدوى وانتقال المرض بين مؤيد لفكرتها ومناف لها ومسألة الخروج من المنطقة الموبوءة من عدمه، وعلى غرار بقية الرسائل الطبية نلاحظ أنّ المؤلف لم يحشد مواقف الفقهاء المختلفة ليبت فيها برأي أو ليخرج بحكم فيصل، وإنّما اقتصر على ذكر علمين اثنين هما الصحابي الجليل عمرو بن العاص والفقيه الفيلسوف ابن رشد صاحب تأليف جامع البيان والتحصيل.

ومن الواضح أن ّهذين العلمين قد اتفقت وجهات نظرهما في أنّه لا حرج في الخروج أو الاقامة في المنطقة الموبوءة وأن يتخذ أهل الفطنة ما هو أوجب لهم، رغم مخالفة ذلك لما ورد في مختصر خليل الفقهي بشأن هذه المسألة، لكن ما يشد انتباهنا هاهنا ليست الاجابات الفقهية التي ظلت محل أخذ ورد، وإنّما ذلك الاقتصار على علمين أحدهما فقيه وفيلسوف وآخر يعد من الصحابة التابعين وهما ابن رشد وعمرو بن العاص وإن كان اقتصاره على ابن رشد يرجع في رأينا إلى اعتزازه بعلمه الجامع وشمولية كتابه الذي استوفى كل الآراء المتباينة في هذه المسألة أو لمكانته العلمية بوصفه عالم متبحر في شتى أصناف العلوم من فقه وفلسفة وطب.

 غير أنّ العودة إلى ما قاله الصحابي الجليل عمرو بن العاص الذي تعامل مع وباء عمواس في عهد الخلافة الراشدة يعيد إلى الأذهان الاعتزاز بالانتماء القبلي والحنين إلى الماضي التليد في فترة شهدت انحصار الوجود العربي والإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث أصبح ماثلا للوجود غياب الروح القبلية التي اندثرت أمام ضربات النصارى وسقوط العديد من المدن الأندلسية.

المصادر:

  • المقري: أزهار الرياض.
  • حسن عباس: نشأة المقامة في الأدب العربي
  • محمد هادي مرادي: فن المقامات النشأة والتطور دراسة وتحليل
  • شوقي ضيف: المقامة

اظهر المزيد

د. رقية بن خيرة

باحثة جزائرية. دكتوراه في التاريخ الإسلامي الوسيط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى