مقالات تاريخية

حقب سياسية وحقبة اقتصادية: ثقافة الجاهز

الكاتب: د. محمد ناصري

دأب الباحث والمطلع على المؤلفات التاريخية إتفاقها على تحقيب تاريخي موحد مبني وفق محددات سياسية، فإذا بحثنا عن أسباب تحديد سنة معينة كبداية لعصر نجد حدثا سياسيا خلفها، فتاريخ الغرب الإسلامي الوسيط كانت بدايته مع الفتح الإسلامي، وتاريخ الجزائر الحديث بدأ مع الدخول العثماني للجزائر، ونفس الأمر مع الفترة المعاصرة التي بدأت مع الاحتلال الفرنسي، ونقدّر من خلال هذا التحقيب تحكم العامل السياسي في توجيه الكتابة التاريخية، ويسمى هذا بالزمن السياسي، إلا أن هذا العامل يخفي خلف ستائره عوامل أخرى تتحكم فيه وتحدد بوصلته، بل نزعم أنها هي المحدد الحقيقي له، ونخص بالذكر العامل الاقتصادي أو كما سماه الدكتور إبراهيم القادري بوتشيش بنمط الإنتاج، فالدولة تسير شؤونها بالمال الذي إذا توفر لها حققت به الاستقرار، فبه يشترى السلم الاجتماعي، وبه تشترى الذمم وتكمم الأفواه الناعقة وتملأ البطون الجائعة، وبقلته تحدث الاضطرابات وتعجز الدولة عن تسيير شؤونها، بل ويفتح الباب للثورات نتيجة الإبتزاز الضريبي كما فصل لنا في ذلك ابن خلدون، والحاصل من كل هذا أنه إذا غيرنا زاوية الرؤية من الحدث السياسي إلى نمط الإنتاج نجد أننا نعيش عصرا واحدا بدل عصور، فالحقبة الوسيطة والحديثة والمعاصرة في بلدنا تعيش نمط إنتاجي واحد مبني على ذهنية الجاهز بالنسبة للسلطة السياسية في العصر الوسيط التي لم تكتفي بالضرائب فقط، بل وظفت جيشها في نشاط حربي يهدف أساسا إلى تحصيل الغنائم، ولم يقتصر الأمر على السلطة، بل تعداها إلى القبائل خاصة المتنقلة منها، والتي لخص لنا صاحب المقدمة نشاطها في عبارة كافية وشافية بقوله ” أرزاقهم في ظلال رماحهم ومعاشهم فيما بأيدي غيرهم“.

كان هذا النشاط سائدا خلال العصر الوسيط، أما في العصر الحديث مع الدخول العثماني للجزائر نلاحظ استمرار نفس النشاط لكن على الواجهة البحرية فيما اصطلح عليه العديد من الباحثين بالجهاد البحري الذي فتح الباب للكثير من الغنائم على السلطة العثمانية، وبمقارنة بسيطة بين الحقبتين نجد أن ذهنية الجاهز حاضرة في كلتيهما، أما في الفترة المعاصرة وبالضبط فترة ما بعد الاستقلال فنجد حضور مؤثر إقتصادي آخر ساهم في استمرارية إعتماد السلطة على ثقاقة الجاهز، ونعني بذلك البترول والغاز، وأصبح الإعتماد على موارده بنسبة 97 بالمئة، وكان له كبير الأثر في البنية الاجتماعية، باختصار نحن نعيش حقبة تاريخية واحدة وهي حقبة ثقافة الجاهز، والخروج منها لا يكون إلا بمشروع تتحدد معالمه على تكوين الإنسان والإهتمام بالتربية والتعليم في المقام الأول، مع فعالية تخرج بنا من الكلام المعسول إلى التطبيق على أرض الميدان.

المصادر والمراجع:

  • عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة.
  • إبراهيم القادري بوتشيش، المغرب والأندلس في عهد المرابطين: المجتمع، الذهنيات، الأولياء.
  • إبراهيم القادري بوتشيش، حلقات مفقودة من تاريخ الحضارة في الغرب الإسلامي.

اظهر المزيد

د. محمد ناصري

جامعة سيدي بلعباس (الجزائر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى