مقالات فكرية وفلسفية

جريمة التطبيع

الكاتب: الباحث حمزة بلقروية

التّطبيع هو قبول الشريك الآخر و المُصادقة على أفعاله و سياسته و إعطائه شرعية لوجوده و الإعتراف به و هو أيضا عمليّة إنشاء علاقات في مختلف المجالات معه، و عندما يكون الشريك في التّطبيع هو الكيان الصهيوني فهذا يعنى الإعتراف بوجوده كدولة شرعية و موافقته على ما يقوم به من جرائم و إعتداء و ظلم في حق الشّعب الفلسطيني و إعتباره حليفًا يُمكن تبادل المنافع معه بلا حدود، و في هذا طمس للقضية الفلسطينيّة و خيانة للأمّة ككلّ عن طريق التفريط في المسجد الأقصي و مداهنة العدوّ المباشر لنا و دعمه.

و ما نعيشه اليوم هو موجة التّطبيع العلني مع هذا الكيان الغاصب و المسارعة في ذلك من قبل الأنظمة الحاكمة القائمة في مجتمعاتنا، و المُخزي في الأمر هو مواقف الحكومات عندنا حيث لم تجتمع الكلمة على التنديد بهذا التطبيع العلني و قطع العلاقات مع كل من ينتهج هذه السياسة رغم إعلان بعض الأنظمة عندنا رفضها لهذا الأمر و قد ذهب البعض إلى إلتزام الصمت و اللامبالاة و ذهب البعض الآخر إلى إعتبار هذا القرار حرية دولية و شأن داخلي وجب إحترامه و عدم التدخل فيه.

و من إنتهج هذا الموقف فقد تناسي أن الخيانة و الرّكون إلى الظّلمة و عدم الضرب على أيديهم و بيع قضايا الأمة و التنازل على مقدّساتها هو قرار ليس أهلاً للإحترام و ليس أهلاً لقبوله بل قمّة الظلم و الفسوق و الفجور أنْ نُحاول تبرير عمليّات التّطبيع العلني مع كيان مجرم سفك بأرواح المسلمين و مازال ينفذ مخطّطاته الشيطانية و الإجرامية في الداخل الفلسطيني و في منطقة الشرق الأوسط، و من إنتهج موقف اللامبالاة فهو شيطان أخرس يرى المنكر و لا يرفضه و لو بالكلمة و قد يكون أصحاب هذا الموقف هم أنفسهم يُبطنون داخلهم حبّ التطبيع و يسعون إليه و لكن ينتظرون الفرصة المناسبة من أجل تحقيق ذلك.

و من المُخزي في الأمر أيضًا هو موقف عُلماء السلاطين الذين يُواصلون بيع دينهم بعرض من الحياة الدنيا حيث يحاولون إعطاء الشرعية الدينية لعملية التطبيع بإعتباره من روح التسامح و السلام التي أمر بها الإسلام و محاولة تركيب مفهوم الهُدنة و الصّلح تعسّفًا على مفهوم التطبيع، فهل جاء الإسلام ليقول لنا من إغتصب أرضكم و قتل إخوانكم من المسلمين و شرّدهم و أقام دولة أخرى مكانها و إستولى على مقدّساتكم و يسعي ليلاً نهارًا لتدمير مجتمعاتكم و الفتك بها لا بأس أن تقبلوا به شريكا لكم و أن تعتبروه دولة شرعية و أن تتبادلوا العلاقات معه ؟!

إن الإسلام دين يمقت الظلم و أهله و من هنا كان التشريع للجهاد في سبيل الله و محاربة كلّ عدوّ مُعتدى يُريد الفتك بهذه الأمّة و إزالتها من الوجود و تهديد أمنها و إستقرارها و يسعي للإستيلاء على مقدّساتها.

و الحقيقة التي يجب أنْ تُقال أنّ كلّ من يوافق على هذا التطبيع و لا ينكره و لو بالكلمة و يعتبره حرية دولية و يحاول إعطائه شرعيّة دينية كاذبة من أجل تضليل الرأي العام فهو ظالم و خائن و مشارك للكيان الصهيوني في جرائمه و كل من يركن للتطبيع فقد صدق قول الله فيه” وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(1)

 فالرّكون لبني صهيون و التقرّب إليهم و محاولة نيل مودّتهم هو رُكون للظلمة و إنحراف عن مفهوم العدل و الحقّ و هو إنخلاع من المفاهيم و المبادئ الإسلامية، و ليس من العجب أن تكون عاقبة كلّ دولة و كلّ نظام حاكم ركن للظالمين الذل و الهزيمة و الهوان فهذا قانون ربّاني لا يتخلّف و لا يتغيّر و ستبقي خيانتهم وصمة عار تُلاحقهم حتّى يرث الله الأرض و من عليها و من أراد أن يكون له نصيب من نار جهنّم في الآخرة فليقبل في دنياه على التطبيع و الركون للكيان الصهيوني الظالم و سيضمن لنفسه الخسران في الدنيا و في الآخرة فهنيئا له !

و أريد في هذا الباب تبيين حُكم من يُوالى أعداء المسلمين المُعتدين عليهم و المُحتلّين لأراضيهم حتّى لا يأتي أحد ما فيكذب علينا و يُحدث لُبْس لدينا في المفاهيم من الدجّالين و المُخادعين المتحدّثين بإسم الدّين.

يقول الله عز و جل في محكم تنزيله :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(2).

و تفسيرًا لهذه الآية يقول بن عاشور في تفسيره :” تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب بعدما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليب الأمور للرسول صلى الله عليه وسلم فأقبل عليهم بالخطاب بقوله : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الآية ، لأن الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبعد ما بين الأخلاق الدينية ، ولإضمارهم الكيد للمسلمين . وجرد النهي هنا عن التعليل والتوجيه اكتفاء بما تقدم ….  والولاية هنا ولاية المودة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث… قال ابن عطية:

من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم… وقد اتفق علماء السنة على أن ما دون الرضا بالكفروممالأتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية ولكنه ضلال عظيم ، وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين”(3)

ابن عطية

إنّ المُتأمّل في هذه الآية يستنتج بديهيًّا أنّ التّحالف مع كل مُعتد على أرض المسلمين و مُحتلّ لها و يسعى لتفتيت المجتمعات المسلمة و يسفك دمائهم في مختلف بقاع الأرض هو أمر منهيّ عنه شرعًا بل من يحالف هؤولاء فهو منهم و مُشترك معهم في السّخط و المقت من الله و مُشارك في ظلمهم و بغيهم، و كلّنا نعلم أنّ الكيان الصهيوني هو كيان غاصب و محتلّ و ظالم و يسعي للتوسّع داخل مجتمعاتنا المُسلمة و يسعي لإزالة الإسلام و أهله من الوجود، فحُكم الإسلام واضح و التّطبيع هو معصية كبرى لله و لرسوله و لا يرضى به مسلم عاقل بل لا يقبل بها كلّ إنسان يُؤمن بالحريّة و العدالة في هذا الوجود!

و لم يبقي لنا في هذا الباب إلا أمرًا واحدًا ألا و هو لماذا تصاعدت عملية التطبيع بهذه الطريقة و أصبحت أكثر علنية على غرار ما كان عليه الأمر في السّابق من تسترّ و كتمان و خوف من ردة فعل الشعوب؟!

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تكون بالعودة إلى أنفسنا نحن كأفراد المُجتمعات المُسلمة حيث تمّ تفتيت القضيّة الفلسطينية في نُفوسنا و تمّ تهويدها و جعلها قضية باردة لا تخصنا و لا نهتمّ بها حتى وصل الأمر بالنّخب المثقّفة عندنا أن تتجرّأ و تقول بأنّ فلسطين هي قضيّة خاصّة بالمجتمع الفلسطيني و أمر لا يعنينا و علينا فقط الإهتمام بقضايانا و مشاكلنا الخاصة ! و الحقيقة تقال أن هذا الفكر قد إنتشر بيننا و أصبح الكثير منّا يُؤمن بذلك و أصبحنا نُلاحظ بُرودة في التّعامل مع هذه القضية.

فالشّعوب سابقًا كانت أكثر حيويّة فعندما يتمّ المتاجرة بالقضية و الإعتداء المستمرّ على فلسطين تنتفض المجتمعات في إحتجاجات عارمة داعمة للقضيّة و مُطالبة للحكومات بإتّخاذ مواقف مُشرّفة رافضة للعُدوان الصّهيوني فمالذّي حصل و أحدث هذه النقلة؟!

كانت في السّابق الحماسة الدينيّة رغم أفولها مايزال لها أثر داخل المُجتمعات فتدفع أفراده للإحتجاجات و أمّا اليوم بعد سنوات من التّغريب و الغزو الثقافي و التّزييف التاريخي و الطمس للهوية الإسلامية و بعد سنوات من الإستبداد الذي قتل قيم الحرية و العدالة و العزّة و الكرامة  داخلنا أصبحت تطغى على حياتنا الماديّة و الجُمود و البلادة و إبتعدنا كثيرًا عن روح الدّين و مقاصده و أصبح كلّ فرد منّا لا يهتمّ إلاّ بقوت يومه و مصالحه و لا يهتم بقضايا المجتمع و مشاكله و لا يهتمّ بقضايا الأمّة المسلمة فكانت النتيجة أن تكوّنت عندنا أجيال جامدة التفكير و باردة المشاعر إزاء قضاياها أجيال مُتخاذلة إنقلبت المعايير عندها و أصبح الإحتلال و العدوان أمر واقع وجب الإستسلام له بدون أيّ مُقاومة و بدون أيّ مُحاولة للتغيير.

و ما نحتاجه اليوم هو إعادة إحياء التديّن داخل المجتمع و العودة إلى الله و العمل من أجل البناء و التّشييد الحضاري و هذا هو طريق التحرّر لأنفسنا و طريق تحرير فلسطين و لن يحصل ذلك إلا بثورات شاملة تقول فيها المجتمعات كلمتها أمام كل حكومة ظالمة و مستبدة و مطبعة مع الكيان الصهيوني و لنكسر جدار الصمت و الجبن و الخوف و الجمود.

فالتغيير بأيدينا و إن لم نبحث عليه و نسلك طريقه و مخاطره فسيبقي الوضع على ما هو عليه و سنرى عمليات تطبيع أكثر و قد نرى في المستقبل عدوان عسكري عربي على المقاومة الإسلامية في غزة …فلنستفيق و لنختر طريقنا و لنتحمّل مسؤوليّاتنا و إلاّ فلن نلوم إلا أنفسنا!

الهوامش:

  1. سورة هود، الآية 113.
  2. سورة المائدة الآية 51.
  3. التحرير والتنوير، سورة المائدة، قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، الجزء السادس، الصفحة رقم: 229.

اظهر المزيد

الباحث حمزة بلقروية

باحث تونسي مهتم بالفكر الإسلامي و القضايا المعاصرة. نُشرت له مقالات متفرّقة في أعداد مختلفة من مجلة الوعي الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى