مقالات فكرية وفلسفية

جماليات العمران التراثي الصحراوي

الكاتب: د. إيمان جريدان

العمارة

الإطار النظري:

1-العمارة: الاصطلاح والمفهوم:

من المهم بدءا أن نعرج على لفظة العمارة لغة. فقد ورد في القاموس المحيط:

العمر بالفتح وبالضم وبضمتين: الحياة ج: أعمار، وبالضم: المسجد، والبيعة، والكنيسة. وعمر الله منزلك عمارة وأعمره: جعله آهلا. وأعمره المكان واستعمره فيه: جعله يعمره. والمعمر كمسكن، المنزل الكثير الماء والكلأ. والعمارة: مايعمر به المكان. والعمارة الحي العظيم.

الفيروزآبادي، 1988

اصطلاحا: وفق ماجاء في العديد من الدراسات، فالعمارة هي فن تشييد المباني وفق قواعد جمالية وهندسية ورقمية محددة. وهي لاتقف عند حدود الحدث المعماري البارز أو المعلم المميز، بل تتناول الملجأ والمأوى البسيط والأثاث، وكل المقتنيات الضرورية لحياة الإنسان اليومية. وهي نشاط يشمل العديد من العلوم كالرياضيات والهندسة والفيزياء، والفنون كالرسم والنحت. كما تشمل التصميم الداخلي الذي يعنى بالأثاث، والتخطيط العمراني الذي يعنى بالمدن والمناطق الحضرية.

وفي النص القرآني وردت العمارة في العديد من الآيات بمختلف نطاقاتها البنائية كالمدن والقرى والبيوت والمساكن والصروح والسدود والأكنان والمساجد والصوامع  والمحاريب. كما خلد القرآن الكريم بعض المنشآت المعمارية الموغلة في العراقة كالمسجد الحرام والمسجد الأقصى وديار صالح.

2-الجمالية:

تفيد  بمعناها الواسع محبة الجمال في الفنون، وفي العالم المحيط بنا. والجماليات هي:

الدراسة الفلسفية للجمال والفنون. وهي دراسة مسائل مثل: ماالجمال؟ ماعلاقة الشكل بالمضمون في الأدب والفن؟ ماالذي تشترك فيه الفنون المختلفة؟.

لؤلؤة، 1983، ص273

والجمالية في دراستنا هذه نعني بها الخصائص التي تتميز بها العمائر التراثية في المدن الصحراوية، والتي تجعلها جميلة في نظرنا كاحترام الخصوصية  والقيم الإجتماعية، وتوفير الأمان، والانسجام مع الطبيعة والمناخ، وحسن اختيار الأحجام والقياسات والألوان المناسبة. وهي خصائص تختلف قطعا من ثقافة إلى ثقافة، ومن مجتمع إلى مجتمع.

3-العمارة التراثية:

هي ذلك الإبداع الإنساني الذي يؤطر الذاكرة ويعطيها شكلا يحفظ مااختزنته الأجيال من تطلعات جمالية وروحية، وقدرات مادية وإنجازات تقنية وحضارية، وماأرادت المجتمعات التعبير عنه من مواقف ومشاعر ومعتقدات.

4-الرواية والعمارة:

الرواية والعمارة شكلان من أشكال التعبير الثقافي عن المجتمعات وانتاجها الإبداعي، فكلاهما يحملان مضمونا سياقيا ثقافيا .كما أن العمارة تشكل ركنا أساسيا في الرواية، إذ تحقق بمعالمها وتفاصيلها جمالا وصدقا فنيين، يستشعرها المتلقي وينسجم معها بحميمية.

ويرى الكثير من الدارسين في مجال النقد الأدبي والنقد المعماري أن العلاقة بين العمارة والرواية علاقة ثنائية التبادل، فالبيئة المعمارية بمدنها وحاراتها وجسورها وقلاعها وميادينها… أتاحت مادة خام ثرية ومتجددة لإلهام الروائيين. والرواية بدورها قدمت مشاهد وصورا فنية لبيئات معمارية عريقة وغنية بمآثر تاريخية وثقافية. وخلدت بلغتها الابداعية والشعرية العديد من المنشآت والأحياء التي ظلت أيقونات حية في خيال ومرجعيات القراء على غرار الحي اللاتيني لسهيل إدريس وزقاق المدق لنجيب محفوظ.

على صعيد الإبداع الروائي العالمي الغربي، نجد الكثير من الروايات التي اهتمت بشكل مكثف بالجانب المعماري لمكان أو مدينة ما كرواية (المنبع) للكاتبة إين راند(Ayn Rand) و(منزل الرمل والضباب) لأندريه دوبس (Andrei Dobos)و(المدن اللامرئية) لإيتالو كالفينو(Italo calvino). وقد (أثبتت هذه الأعمال الروائية قدرتها المتميزة بل والمبهرة على تقديم فهم نقدي للإنسان والمكان والعمارة والعمران)(عبد الرؤوف، 2017، ص 18).

وعلى الصعيد الإبداعي الروائي الإقليمي العربي، وثقت عدد من الروايات النسيج العمراني للمكان، ونبهت إلى حالات تغييره أو تدهوره أو اندثاره وتلاشيه بفعل عوامل عدة كالحروب والعولمة. واستطاع بعض الروائيين العرب بتوظيفهم للعمارة أن يقدموا صورا فنية جميلة ومميزة لعمران وثقافة مدنهم كالروائي “واسيني الأعرج” في (حارسة الظلال) و(البيت الأندلسي). و”الطاهر وطار”في (الزلزال). و”عبد الرحمن منيف” في خماسيته ( مدن الملح)، و”رجاء عالم” في (طوق الحمام). و”جمال الغيطاني” في معظم أعماله.

على مستوى الدراسات الأكاديمية والنقدية التي اهتمت بالعمارة في النص الروائي نجد مساهمات الأكاديمي “فرانكو موريتي”(franco Moriti) صاحب كتاب (أطلس الرواية الأوروبية)، حيث ابتكر الجغرافية الأدبية(Litérature Geography)  وحلل بعض الروايات مبرزا رؤى أصحابها حول العمارة كرؤية بلزاك لعمارة باريس، ورؤية تشارلز ديكنز للندن. كذلك نجد إسهامات الناقد”صبري حافظ” الذي ربط بين الأعمال الروائية والتحولات العمرانية في حقبة التسعينات. وأيضا ماقدمته “سامية محرز” في كتابها( أطلس القاهرة الأدبي).بالإضافة إلى مساهمة الناقد المعماري “علي عبد الرؤوف” في كتابه (مدن العرب في رواياتهم).

ولاتزال مع ذلك العلاقة بين الرواية والعمارة علاقة هامشية في الكثير من الدراسات النقدية، إذ لم تختبر اختبارا عميقا وكافيا.

5- العمارة في الرواية الجزائرية:

الإطار التطبيقي:

1-جماليات العمران التراثي الصحراوي: 

يشكل العمران التراثي الصحراوي، مصدرا مهما لإلهام الروائيين، الذين وجدوا فيه مراتع خصبة، يعبرون من خلالها عن هوية مدنهم الثقافية، ويستحضرون بها فضاءات جديدة وأزمنة جميلة تلاشت، وأمكنة عريقة تكاد تندثر، في ظل ماتعرفه المدن العربية من تنمية، وثورات تقنية في الإتصال والإعلام.

وبتتبع الرواية الجزائرية، نقف على عدد من الروائيين الجزائريين الذين حرصوا على تصوير المدن الصحراوية، خاصة المدن الموغلة في القدم والعراقة، ذات الطابع العمراني الأصيل كوادي سوف وأدرار وتيميمون وغرداية. فأمعنوا في وصف أحيائها وأزقتها العتيقة، من قصور وساحات وقصبات، ودور وبيوت طينية وجبسية بديعة.

1-1-المدن المحصنة ذات الأبواب:

عرفت الحضارات العريقة منذ القدم، المدن المحصنة ذات الأبواب والخنادق والأبراج، لأسباب أمنية ودفاعية. ولا تزال بعض المدن في العالم الغربي وعالمنا العربي ثرية في هندستها المعمارية التراثية، تحافظ على هذا الشكل العمراني العريق على غرار مانجد في روما واسطنبول والقدس والقاهرة القديمة و سوسة التونسية. رغم التحولات العميقة التي عرفتها المدينة العربية الحديثة.

 الروائي”الصديق حاج أحمد الزيواني” لفت انتباهنا لوجود هذا العنصر الجمالي في مدينة أدرار، ثاني أكبر مدينة جزائرية مساحة بعد تمنراست. هذه المدينة لا تزال تحافظ على طابع عمرانها الأصيل المستلهم من المدينة الإسلامية:

وما إن بلغنا وسط المدينة، حتى استقبلتنا أدرار بأبوابها الأربعة المقوسة، وذاك عهدها، اثنان من جهة الشرق، هما باب رقان لجهة الجنوب(..) وباب تيميمون لجهة الشمال، يركن بينهما سوق دينار، واثنان يتسمران في جهتها الغربية،باب بوبرنوس لجهة الجنوب، وباب بشار لجهة الشمال، حصرت بين الأبواب المقوسة، ساحة ماسينيسا الفسيحة الخضراء. كانت أقرب إلى التربيع منها للإستطالة، يخلد في شرقها الشمالي فندق جميلة الأحمر الطيني الجميل، تدور بها أقواس طينية من جهاتها الثلاث، خلا الجهة الجنوبية(..) وقد قال لي والدي ذات مرة عندما تصادفت معه فيها، أن نمط عمارتها يشبه كثيرا عمارة تمبكتو وغاو من بلاد السودان المالية والنيجيرية

حاج أحمد، 2013، ص87

الأبواب الطينية المقوسة كانت مداخل للمدينة قديما، وهي رمزية للأمان والاحتواء. والساحة الخضراء وسط المدينة، تعد فراغا جماليا للفرجة ولعب الأطفال ونزهتهم. وتجمع أهاليهم في مجالس ولقاءات حميمية. فضلا أنها مكان مناسب للتبادل التجاري في أسواقها الداخلية، والتي غالبا ما تتضمن محلات تجارية لبيع التحف والقطع الأثرية القديمة، التي تعكس عادات وتقاليد وقيم السكان المحليين.

1-2-القصور:

من أهم مايميز العمائر التراثية في المدن الصحراوية الجزائرية القصور. والتي هي ليست قصورا للملوك والأمراء، بل للبسطاء من أهل الصحراء. وهي عبارة عن تجمعات سكنية أشبه بالقرى. بناياتها من الطوب. محاطة بسور خارجي فردي أحيانا ومزدوج أحيانا أخرى. وقد صنفت منظمة اليونسكو العديد من هذه القصور كمعالم تراثية عالمية، لما لها من تميز وتفرد في هندستها المعمارية، وعراقة تؤرخ لتعاقب حضارات وأعراق، ومرور قوافل وقبائل متعددة. كقصور وادي ميزاب بمدينة غرداية، والقصر القديم بولاية البيض الذي يعد أكبر قصر في الجزائر، وقصور توات بأدرار، والتي تعود عمارتها إلى ماقبل الإسلام. والتي تحدث عنها الرحالة الشهير “ابن بطوطة” والعلامة “ابن خلدون” في مثل قوله:

وفواكه بلاد السودان كلها من قصور صحراء المغرب مثل توات وتكدرارين ووركلان

ابن خلدون، 2004، ص154

ويتضمن كل قصر من هذه القصور بيوتا وساحة عامة ومسجدا وزاوية لولي صالح يتبرك به أهالي القصر، وكتابا لتحفيظ الصغار القرآن الكريم، ومحلات تجارية. فضلا عن تميز هذه القصور بالخنادق والأبراج المشيدة للحماية.

 يصف الروائي “رشيد بوجدرة” في روايته (تيميمون) مدينة تيميمون المتميزة بعمرانها المتفرد الأصيل:

تيميمون عبارة عن قصر بربري عتيق مبنية أسواره بالصلصال الأحمر والمحبحب، فسميت بالواحة الحمراء. ويتربع هذا القصر على صخرة تشرف من أعلى أمتارها العشرين على الواحة. ويملك القصرمسجدا قديما رائعا ذا صومعة تبان وكأنها حذرة من كثرة الغزوات التي كانت تتسلط على القصر، قديما بالمرصاد لكل طارئ آت من الصحراء التي تحوط بتيميمون

بوجدرة،2002، ص65

تلك الصحراء التي تزخر بكثبانها الرملية والزعفرانية اللون والمتحركة بسرعة فائقة رغم أحجامها الكبيرة، وطرق الملح والذهب القديمة، وواحاتها التي شاهدت موجات اللاجئين إليها من بربر وزنوج ويهود ومسلمين، على مر القرون فيأتون إليها  ويختفون فيها ثم يستوطنونها فيجعلون منها جنة على الأرض

بوجدرة، 2002، ص65

ويتعمق الروائي “بوجدرة” أكثر في وصف هذه القصور التي يطلق عليها أيضا اسم القصبات، فيقدم وصفا تفصيليا لها من الداخل:

وقصبة تيميمون يمكن أن تلخص في متاهات أزقتها وكثرة شبابيكها وأسطحها وقبابها وصومعاتها وأقواسها وأبوابها الخشبية وجنائنها الصغيرة والخصبة، وتأتي كل هذه الأحجام والألوان زاهية، صياحة من تكاثر الضوء المسكوب عليها وهيجان الجو فيها

بوجدرة، 2002، ص78

هذه القصور حسب تقديم “بوجدرة” لها، ذات أزقة ضيقة ومتداخلة، تضفي طابعا حميميا على المكان، يعكس علاقات الجوار والمحبة بين أهل القصر، الذين غالبا مايكونون من قبيلة واحدة. فضلا عن الجانب الجمالي والروحي الذي تبعثه الجنائن الخصبة الملونة والمساجد بصومعاتها العالية المشيدة داخل القصر.

إن تباين الألوان، وتنوعها مابين النارية الصارخة والباردة تضفي على قصور تيميمون جمالا وبهاء يشد الناظرين لها من بعيد:

وتأخذني نفس النشوة عندما أنظر إلى تيميمون كلما أكتشفها من بعيد وأنا أقود حافلتي. وهي عبارة عن تفاصيل متراكمة بوضوح، فيخال للإنسان أنه يتحطم نظرا لتراكم كل هذه الأحجام الصفراء والحمراء والصلصالية والخضراء التي تنحدر من أعلى إلى فوق، والعكس ! فتبرز تدريجيا المدينة الجديدة ثم القصر العتيق ثم الواحة اليانعة الفضية

بوجدرة، 2002، ص78

الألوان الصارخة التي يختارها أهل الصحراء لقصورهم كاللونين الأحمر والأخضر تعمل على اهتداء القوافل الضالة، فتلعب بذلك دور المنارة والعلامة في الصحاري. مصداقا لقوله تعالى((ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود)). (فاطر/ الآية 27)

الروائية”مليكة مقدم” في روايتها (الممنوعة) هي الأخرى تشيد بجمالية القصور الصحراوية، المتماشية وطبيعة المكان، مسقوفة الأزقة، مظللة، تفيض بالحميمية والشاعرية، مكثفة الزمن، حيث تحيا وتنمو الأحلام الجميلة، وحكمة القدماء:

اشتاقت عيناي إلى رؤية القصر. إن تعرجات الأزقة الضيقة تمسك الأحلام، تحمي الهاربين والكآبات المبهمة. ويشكل تشابك الأضواء وظلال الجسور والسقائف المتداخلة، وكذا مغرة الجدران الترابية، تناسقا منسجما

مقدم، 2008، ص23

هذه القصور يختار لها مشيدوها مواقع مناسبة، تكون قريبة من الواحات. فتزيدها هذه الواحات جمالا، يتخذ منها أهل الصحراء مراتع لزراعتهم وسقي إبلهم وماعزهم، كما يقصدها السياح للسباحة والإستجمام:

فأغتنم فرصة هذه الراحة النفسية وآخذ بمجموعة السياح إلى (( قلتة)) رائعة الجمال وصافية المياه، فيعومون فيها ساعات طويلة ويمرحون ويعبثون كالأطفال الصغار

بوجدرة، 2002، صص97-98

بحيرة صغيرة أو قلتة غريبة حيث ينمو شجر التين والكروم والدفلة والنخيل المنتج لأحسن التمور في البلاد

بوجدرة، 2002، صص 95-96

وحسن اختيار الموقع من معايير جمالية العمارة. كما أنه عنصرا مهما في استمرار الأمصار وبقائها.

1-3-البيوت الصحراوية:

تتفرد البيوت الصحراوية بطابع عمراني مميز، يتماشى ومناخ الصحراء الجاف والحار، كما تشيد من مواد مأخوذة من الطبيعة الصحراوية ذاتها. على غرار بيوت مدينة وادي سوف، الواقعة في الجنوب الشرقي الجزائري. والتي تتميز ببيوتها الجبسية البيضاء ذات الأقواس والأسطح المقببة.

يقول الروائي”أحمد محمد زغب” في روايته (المقبرة البيضاء)الصادرة عام2005 واصفا بنايات مدينة البياضة بوادي سوف:

بناياتها يغلب عليها الطابع المحلي، منازل تقليدية مبنية بالجبس، على بعضها القباب المستديرة، وتزين الأقواس بعضها الآخر

زغب، 2005، ص11

البيت السوفي مبني من المواد التي أتاحتها البيئة الصحراوية. هذه المواد هي الجبس ووردة الرمال، وهي مواد صديقة للبيئة، تتناسب مع قساوة المناخ المعروف بجفافه وحرارته الشديدة وكثرة زوابعه الرملية. وتسمح للبيوت بالبقاء إلى عقود طويلة. كما أن أسطح هذه المنازل مقببة، وهذه القبب من شأنها أن تحد من تكدس الرمال فوق سطح المنزل. بل وتوفر هذه الأسطح المقببة مكانا لحركة الهواء داخل البيت، وتساعد على توزيع أشعة الشمس ما يجعلها تحقق عامل الإضاءة والتبريد صيفا، والتدفئة شتاء.

تصف الكاتبة”حنكة حواء” في روايتها (عايشة) جمالية سقف أحد بيوت بلدة اعميش التابعة لمدينة وادي سوف قائلة:

هكذا بنيت البيوت الجبسية في اعميش على شكل قباب لكسر أشعة الشمس لتكون الغرف باردة

حنكة، 2016، ص42

ومن جماليات البيت السوفي أيضا احتواؤه على حوش مفتوح للسماء، يحوي جنينة أو نخلة تزين البيت:

كل حوش في اعميش يحوي نخلة، وهم مقتنعون جدا أن البيت الذي يخلو منها أهله جياع

حنكة، 2016، ص56

فالنخلة لاتعمل على إضفاء الجمال في البيت السوفي فحسب، بل وتحقق رمزا طقوسيا يدل على وجود النعم والخير في البيت.

في المناطق الحارة والجافة تهبط درجة الحرارة كثيرا بعد الغروب. خاصة في المدن الصحراوية. والناس في مثل هذه المناطق تعودوا على إغلاق مساكنهم من الخارج، وفتحها على أفنية داخلية. يسمى واحدها صحنا أوحوشا، ويكون مكشوفا للسماء. وهذا الصحن يقلل من درجة الحرارة في الليل، كما يحقق إثارة بانفتاحه على السماء المزينة بالنجوم.

يصف الروائي”اسماعيل يبرير” في روايته (المعتوه) جمال البيت الجلفاوي، فيقول بأنه بيت غرفه واسعة أسطحها مسقوفة بالقرميد الأحمر، ذات أبواب حديدية لحماية الغرف من السرقة. ولها حوش مفتوح على السماء، تحوي  جنينة داخلية، تغرس فيها غالبا أشجارا كالزيتون والعنب وشجرة مسك الليل والنعناع والبقدونس، هذه النباتات يغار عليها أهل البيت وكأنها نساء، فيفضلون غرسها في حدائق داخلية بدلا من غرسها في حدائق خارجية أمام البيت:

حيث يربي الناس أشجارهم في البيوت خفية كأنها نساء

يبرير، 2013، ص70

يواصل “رشيد بوجدرة ” اهتمامه بوصف جمال البيت التيميموني، الذي يسحر كل زائر إلى تيميمون:

ولديار تيميون سمات رائعة الجمال ومحكمة التنسيق المعماري، فتملك كل واحدة منها أسطح جميلة الشكل وأفرانا محفورة في الأرض. وعددها ثلاثة في كل منزل. سألتني صراء: (( لماذا ثلاثة أفران في كل منزل ياترى؟)) لم أعرف الجواب على سؤالها. فقلت فجأة ((هكذا ! لعله نوع من التطير الطقوسي…)) كما كانت المنازل تحتوي على دورات المياه وهي موضوعة على أعلى السطح وتشعر وأنت تتبول بأنك تحمل على رأسك صفيحة السماء المكتظة بالنجوم، فتحس بنشوة تجتاحك في العمق

بوجدرة، 2002، صص79-80

البيت التيميموني كما قدمه “بوجدرة” مصمم بطريقة منسقة، أسطحه جميلة، وله ثلاثة أفران، قد تكون حسب رأينا رمزية للكرم والضيافة، المعروف بها أهل الصحراء. وقد تكون أيضا رمزية للتدين، إذ أن الرقم ثلاثة رقم وتري ومقدس في الإسلام. أيضا من سمات البيت التيميموني تواجد حمامه في أعلى السطح، وقد يكون تشييد الحمام في السطح احتراما للخصوصية، وتحقيقا للستر والحياء. وهي كلها صفات خلقية نبيلة تميز الإنسان الصحراوي.

  ويرى “غاستون باشلار” أن البيت (هو واحد من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية). (باشلار، 1984، ص38). لذلك حرص الروائي “الصديق حاج أحمد” على استحضار البيت الأدراري التواتي في روايته مملكة الزيوان الصادرة عام 2013، وخصص حوالي صفحتين لوصفه بكل تفاصيله الدقيقة، ليعكس من خلاله الهوية الثقافية للمجتمع التواتي، وليبين نمط حياتهم في السابق. متخذا دور المؤرخ والأنثروبولوجي في توثيق التراث المعماري التقليدي، وحاملا على عاتقه جرد مسميات تفاصيل وأركان البيت الأدراري بلغة أهل توات المحلية القديمة:

هي أول مرة أتعدى فيها عتبة بيتنا، والذي أتصوره من الداخل بيتا سقيفيا، مستطيلا، طينيا، سقفت سقيفاته بخشب جذع النخل (…) بابه خشبي صنع من جذع النخل المملسة بإبراء القادوم، وضع في أعلاه قفل يسمى أفكر، صنع باقتدار محكم من حرفي ماهر(…) وهو أغلب الظن، على آخر يهودي كان يسطن تمنطيط (…) تقابلك فيه سقيفة الباب، التي تدخلك إلى سقيفة القعود المستطيلة، التي بدورها تسلمك إلى رحبة معراة بينها وبين سقيفة القعود، باب يسمى أمنار. وقد سطح في زاوية من تلك الرحبة المعراة مكان يدعى لمنيصب، كما بني في زاوية منها وكر للحمام. عندها تنفرجأمامك رحبة للشياه، بينها وبين رحبة الجلوس المعراة باب خشبي هو الآخر، حفر في زاوية منها بئر مغطى، كان الأوائل منهم لايفتحونه، إلا عند نزول الغزاة عليهم. سقفت من تلك الرحبة الشياهية نهايتها، والتي يصطلح عليها التقمي، حيث كان الدجاج والشياه يحتمون فيه ليلا(…). وقد انتصب في وسط الرحبة المعراة التي بها لمنصيب، سلم يفضي إلى سطح بني في زاوية منه شيخ الدار (المرحاض) هو تقليدي مربع على أي حال، سقفه كسقف الدار تماما، تركت من سقفه فتحتان، الأولى كبيرة، لتغوط الكبار. أكرمكم الله. والثانية صغيرة للصغار

حاج أحمد، 2013، صص35-36

تظهر لنا من خلال هذا المقطع السردي، كل المزايا الجوهرية للبيت التواتي؛ الحماية والأمان اللتان يحققهما الباب الخشبي المحكم بقفل من صنع حرفي ماهر يهودي. والغنائية ونمط الحياة التقليدي حيث يحبذ الأهالي تربية حيواناتهم معهم في البيت. والإكتفاء الذاتي وضمان الحياة من خلال تواجد بئر ماء داخل البيت. وعادة حفر الآبار في أفنية البيوت لاتزال عادة حية وموجودة في الكثير من المناطق الجزائرية كمدن الشرق الجزائري. كذلك نلاحظ عنصر الخصوصية حيث يبنى المرحاض في سطح البيت، بل ويراعى في تشييده حاجة الأطفال والحرص على راحتهم وخدمتهم.

1-4 -الفقارات:

من التراث الحضاري في مدن الصحراء كمدينة تيميمون ومنطقة توات بمدينة أدرار أنظمة السقي التقليدية، التي تسمى بالفقاقيرأو الفقارات، واحدتها فقارة. وتعني فجارة من فجر الماء. سميت فقارة لأن تصميمها يشبه العمود الفقري للإنسان. وهي عبارة عن آبار متسلسلة ارتوازية الشكل تحفر عموديا للوصول إلى المياه الباطنية. ومثل هذه الأنظمة في الري نجد شبيهتها في إيران وأفغانستان واليمن والمدينة المنورة وتونس والمغرب.

   ويعود تشييدها في صحراء الجزائرإلى القرن 12 ميلادي حسب الباحث “حمادي أحمد الحاج”. للحفاظ على منسوب المياه الجوفية، ولتوزيع المياه بشكل عادل ومدروس على ديار ومزارع الفلاحين. “رشيد بوجدرة” عند زيارته  لمدينة تيميمون أعجب كثيرا بهذا النظام العجيب في السقي، وأوضح بأنها قنوات شيدها الزنوج منذ قرون جيء بهم من السودان ومن قرن إفريقيا الشرقي:

تيميمون حيث القنوات الناقلة للمياه يفوق طولها المئتي كيلو متر. وقد حفر هذه القنوات عبيد سود أتي بهم من السودان منذ قرون عديدة، من خلال طبقات الصلصال والخت المتراكمة الواحدة فوق الأخرى، وجاءت هذه الطبقات منحدرة بطريقة متعاكسة في اتجاه شرق-غرب

بوجدرة، 2002، ص64

يصفها وصفا دقيقا فيقول بأنها تأخذ..

أشكال الأمشاط التي تخيط فضاء الواحات وتوزع المياه في كل بستانمن البساتين التي هي صغيرة الحجم في معظمها. ويتم توزيع هذه المياه بطريقة دقيقة رغم صعوبة التقسيم. ذلك أن هذا التوزيع ينظم حسب معطيات لا تحصى ولاتعد، معقدة الأسلوب وصعبة المنال. ومن بينها حجم البستان ونظام الطبقات الإجتماعية والشرائح العرقية وأشجار النسب وغيرها من الأمور. ويشرف على هذا التقسيط أمين الماء وهو رجل عاقل وعلامة كبير ينتخب من طرف السكان المزارعين كل ثلاث سنوات

بوجدرة، 2002، ص79

من خلال ماسبق نستنتج جماليات الفقارات الكامنة في العمل على المحافظة على نسبة المياه الجوفية، وتوزيع الماء على الحقول بشكل عادل، حسب حجم كل بستان وطبقة وعرق صاحبه. والنظر إلى العرق والنسب والطبقة الإجتماعية كان معيارا مهما في وقت سابق في النظام الإجتماعي الصحراوي، لكن حاليا تراجع التمييز بين فئات المجتمع الصحراوي حسب العرق والنسب. وأصبح توزيع الماء يتم حسب مساحة الحقل ومايوجد فيه من أشجار وزرع.

 المزارعون الصحراويون يحرصون على صيانة وترميم هذه التركة المعمارية المهمة ويقومون بتنظيفها تنظيفا مستمرا:

تعبق روائح عطرة من خلال بساتين تيميمون الصغيرة وهي عبارة عن خليط من روائح الخشب المحروق والتربة المبلولة(…) والفواكه الطازجة من مشمش وتمر وتين وطماطم مجففة، والمواد التنظيفية من شب وغسول تستعمل لتطهير القنوات. ويقضي أصحاب هذه البساتين الرائعة وقتهم في العمل الدؤوب، لايكلون ولايتوقفون، فيمنعون هكذا تراكم الرمال داخل القنوات وتكاثر الأوحال والأوساخ فيها

بوجدرة، 2002، ص79

تطهير الفقارات غالبا مايتم بطريقة جماعية على أنغام الطبول بما يسمى(التويزة). وهي تعكس التماسك الإجتماعي بين أبناء الصحراء.

1-5-المعابد:

ولاتخلو صحراء الجزائر من عمائر أثرية غربية جميلة، تعود إلى عهد الإستعمار الفرنسي، كمصلى الأب شارل دي فوكو بمنطقة الهقار وكاتدرائية مدينة المنيعة. هذه العمائر القديمة تضفي جمالا على المناطق الصحراوية، وتشيع بهجة في أوساط السياح والزوار:

كم من شفق وكم من نسق شاهدت من إحدى نوافذ المصلى الصغير الذي شيده الأب دي فوكولت على قمة الأسيكريم في منطقة الهقار، دون أن أشعر بأي حس ديني، لكنني أشعر فقط بإحساس أستتيكي رائع

بوجدرة، 2002، ص97

و”شارل دي فوكو” هو قسيس وراهب كاثوليكي فرنسي، عاش فترة من عمره بين الطوارق في الصحراء الكبرى جنوب الجزائر. وتذكر الكتب التاريخية أن هذا الأب كان يتعبد على قمة أسكرام بالهقار حيث توجد أعلى قمة جبلية في الجزائر، وهو ممر الأسكرام الذي يمكن منه مشاهدة أجمل شروق وغروب للشمس في الجزائر، والمعترف به من منظمة اليونسكو.

  كذلك المساجد كانت حاضرة في الرواية الصحراوية الجزائرية، وان كان حضورا مقتضبا. فقد أشاد “أحمد زغب” بجمالية المسجد في مدينة وادي سوف، حيث تشتهر هذه المدينة بصنع الجبس وبالنقش عليه، لتزيين البيوت والمساجد، والتي تعكس احتياج الإنسان الصحراوي العميق، في التأمل والتساؤل عن ماهية الكون والوجود:

وشرقي الطريق يرتفع المسجد بصومعته العالية المزخرفة بنقوش فنية جميلة، ويحيط به سور مزدان بأعمدة حديدية خضراء، وفي باحته بضع غرسات من النخيل

زغب، 2005، ص13

لاحظ الشاب سعيد أن المسجد مزخرف من الخارج، بصورة لافتة كأنما هذه الزخرفة تشعر الزائر بأنه ليس في مسجد عادي. إنما يكتسي أهمية خاصة

زغب، 2005، ص13

ويعد فن النقش من أقدم الفنون الجميلة، بيد أنه تجلى أكثر من خلال الحضارة الإسلامية ، المهتمة بعمارة الأرض، وتقديس بيوت العبادة من خلال حرص مهندسيها على تزيينها وزخرفتها، لإيمانهم القوي أن (قيمة الجمال هي الأكثر عمقا في صياغة منظومة النتاج المعماري الذي يجعلك تقترب من حالة الجمال الرباني)(عبد الرؤوف، 2014، ص55).

وفن النقش على الجبس من أصعب فنون النقش، حيث يتطلب الدقة والتأمل والإلمام بعلوم الرياضيات والهندسة، كما يعد الفن الأكثر انتشارا وأهمية لارتباطه بفن العمارة.

مما سبق نخلص أن العمائر التراثية هي امتداد لتاريخ الفن والإبداع الإنساني، ومرآة عاكسة لقيمه الأخلاقية والمادية والروحية والجمالية، عبر الزمان والمكان. والتي استطاع أن يحققها من خلال ماتوفر لديه من مواد، ومصادر طاقوية طبيعية. تحقق الراحة النفسية والخصوصية والأمان له، وللطبيعة من حوله. كاستخدامه لمواد من عمق بيئته الجبس والطوب والطين والحجر، وصنعه للفقاقير والنوافير والقبب والأقواس والأعمدة المزخرفة برموز وألوان وأشكال هندسية، تعكس أفكاره ورؤاه وميولاته في الحياة.

2-جدلية العمارة الصحراوية بين الماضي والحاضر:

عرفت المدن العربية كغيرها من عواصم العالم تحولات عميقة على صعيد كل المستويات الحضارية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية. ومثلما غابت المدينة المحصنة ذات الأبواب، بدأت تغيب المدينة الحديثة المفتوحة، وبدأت مدينة الاتصالات والثورة التقنية أو بما يسمى المدينة الأمونوبوليتية في الظهور. وهي مدينة مابعد حداثية، فاقدة لمركزيتها، ومتحررة من أثقالها المادية، وعوائقها المكانية. وبسبب هذه التطورات التكنولوجية، صارت المدينة العربية تعاني من طغيان الطرز والأساليب الحديثة في العمارة أو من ( هجمة لموجة مابعد الحداثة، من سماتها التحرر من الشكل وغياب المرجعيات أو انفجار النماذج وتشظي الأشكال). (حرب، 2005، ص149)

لم تسلم المدينة الصحراوية هي الأخرى من التغير والتحول الذي طال أنظمتها الإجتماعية، وتصميماتها المعمارية وعمائرها التراثية. فتعرضت نتيجة لهذا التغيير الكثير من العمائر التراثية للإهمال والهجر، على غرار ماحدث للكثير من الفقارات والقصور والمعابد. يلتفت الروائي” رشيد بوجدرة” إلى الإهمال الذي طال كاتدرالية مدينة المنيعة، فيقول:

ليلة البارحة حدثت صراء عن كاتدرالية المنيعة وقد شيدها منذ قرن ونصف القسيس دي فوكولد في وسط صحراء الجزائر، فتظهر من بعيد وكأنها شبح ضخم وقد تخربت وأكل الدهر عليها وشرب

بوجدرة، 2002، ص104

وكان الأولى أن تهتم السلطات المحلية بترميم هذا المعبد، وتجعله قبلة للسياح. ومعلما أثريا شاهدا على حملات التنصير بالجزائر إبان الإستعمار، وعمارة عريقة تشهد على حقبة تاريخية مهمة من تاريخ الجزائر.

ويرصد”أحمد زغب” التحولات التي طالت عمران مدينة الوادي، ويرجع هذه التحولات إلى رغبة الإنسان في البقاء والخلود من خلال مايشيده من عمائر حديثة رأسية، مصممة بإحكام، وبمواد تبدو له أكثر صمودا لعوائد الزمن كالإسمنت والحديد:

يجد الزائر بعض المفارقات بين هذه البنايات التقليدية المتزاحمة، وبين بعض العمارات العالية القليلة ذات الشرفات الأنيقة، التي تزين جنبات الطريق في بعض أنحائه، والتي تشمخ متحدية، وكأنها تقول في عناد وكبرياء… علام يدل وجودي في هذه المدينة المغمورة في الكثبان والصحاري؟ ألا يدل على أن الإنسان تحدوه رغبة ملحة في البقاء والخلود؟إنها عمارات مصممة بعناية تصرخ بأن الإنسان متشبث بالحياة إلى أقصى حد فهي ملك لأشخاص أفنوا أعمارهم في الكسب والاكتساب والتعمير

زغب، 2005، صص11-12

  بل ويتجاوز الكاتب “أحمد زغب” أسباب التحول في العمارة إلى ضرورة التطور ومواكبة التكنولوجيا، إلى رغبة الإنسان في التفاخر والتباهي على أصحاب العمائر التراثية التقليدية:

يتباهى أهل البنايات الشامخة على أصحاب البنايات الجبسية المتواضعة. وفي المباهاة والمفاخرة لذة مابعدها لذة

زغب، 2005، ص16

الروائي الأدراري”الصديق حاج أحمد” حرصا منه على التوثيق، حمل على عاتقه جرد القصور الصحراوية التي هجرت أو الآيلة للتغير أو الهجر، وأردفها بتهميشات مفصلة أسفل الصفحة، تتضمن موقع كل قصر وتاريخ تأسيسه، وبعضا من علمائه المشاهير كقصرتمنطيط الذي هجر، والذي كانت تسكنه الجالية اليهودية. وقصر تليلان وملوكة وأنزجمير، وقصور أقبلي وقصر أولاد سعيد والمطارفة. بيد أن”الصديق الحاج أحمد” لم يهتم بالتحول الذي طرأ على عمران هذه القصور، بل اكتفى بإحصائها ورصد تغيراتها الإجتماعية:

يكون القصر عندها، قد لبس ماأراد الله له أن يلبس من فنون الحضارة، وأذاب معظم طينه، وانطمست أغلب عاداته وأعرافه، وغارت عين فقارته، وبدأ نجم نخيل سباخه في الأفول

حاج أحمد،2013، صص11-12

في هذا المقطع أشار الكاتب بشكل خاطف إلى تغير عمران القصور، من حيث تغيير مادة البناء. كما أشار إلى التغير الذي حدث للفقارات، التي آل بعضها إلى الغور. بسبب الإهمال، وعزوف الشباب على صيانتها وترميمها. يقول موضحا ماطال الفقارات من تحول:

كانت فقاقير القصر قد بدأت عيونها المائية في الغور، مما جعل منسوب الماء فيها يتناقص بشكل لافت. فأعيان الملاكين الإقطاعيين ، قد خرجوا حينها من الكهولة ودخلوا في الشيخوخة، ولم يعد بوسعهممقاومة أشغال الصيانة التي تطلبها الفقاقير كل سنة، للحفاظ على منسوبها المائي، كما أن أبناءهم لم يتربوا على تلك الأعمال الشاقة، سواء في خدمة الفقاقير أو خدمة السباخ والبساتين

حاج أحمد، 2013، ص131

من جهتها تنتقد “مليكة مقدم” البنايات الحديثة التي لا تنسجم مع مناخ الصحراء الحار، فشبهتها بالورم الخبيث الذي أحاط بالقصر التراثي الجميل، فشوهت بذلك صورة المدينة:

اكتشفت بلدة ضخمة وأنا مدفوعة بتدفق الصلوات. نبتت مثل ورم على جوانب القصر. لا أعرف هذه الأزقة التي تعرض نفسها عارية لسادية الشمس.(…)الآن، تعرض هذه البنايات، المخربة قبل اكتمالها، شقوقها، نفاياتها، خواءها، وتحولت إلى رموز لقبح وبلادة الأزمنة

مقدم، 2008، ص23

وتنعي الروائية في موضع آخر القصور التراثية نظرا لما آلت إليه من هجر وتخريب. هذه القصور التي لم تعد لها أية قيمة جمالية إلا في عيون الغرباء والسياح، أما سكانها الأصليون فقد استبدلوها ببنايات حديثة مبنية من الإسمنت بدلا من الطين:

ثم إن القصور ليست ثمينة إلا لدى السواح النادرين، الباحثين عن الغرائبية ولدى أولئك الذين لا يسكنونها. أما أنا، فأتفهم أن سكانها يضحون بالجمال من أجل قليل من الرفاهية وأسقف لا تذوب طينا لأدنى مطر. يقال بأن القصر لا يأوي الآن إلا الماعز والخرفان وبعض الحمير الذين نجوا من غزو المحركات

مقدم، 2008، ص88

مما يزيد القصر جمالا، محافظته على تماسك أفراد القبيلة، وخلق جو عائلي بينهم، حيث نعثر على علاقات الجوار وصلة الرحم بين الأقارب، والرحمة والرأفة بين الأفراد. على عكس البنايات الحديثة، التي قضت على معظم هذه العلاقات السامية، والتي أدت إلى تشتيت القبيلة، ودخول أفرادها في عزلة وجفاء:

إن المنازل الحديثة تملك كثيرا من الرفاهية وقليلا من الجود. الحداثة؟ تبهرنا بإنجازاتها ولكنها تغلق أبوابها على جزء صغير من الناس فقط.(…) الآن، أنهى البعد ماتبقى من العلاقات، وحطم التضامن

مقدم، 2008، ص 177

ومابين سجال طويل بين ثنائيات الماضي والحديث، الأصيل والوافد. يشيد أغلب الروائيين الجزائريين بالمعمار التراثي الصحراوي، ويستنكرون المسخ والتمزق الذي طاله، على حساب الذاكرة الجماعية والراحة النفسية، والعلاقات الإنسانية الحميمية  لأهلها الأصليين.

  وفي هذا الإطار نختتم جدلية العمارة التراثية، بين الماضي والحاضر، برأي المفكر اللبناني”علي حرب” في مدار حديثه عن التحولات العميقة التي عرفتها المدن العربية من حيث شكلها العمراني،  يقول أن الرهان الأمثل هو (العمل على تشكيل نماذج  وطرز في العمارة تؤمن التوازن بين الذاكرة التراثية والتقنيات المستحدثة، بحيث يقوم على تلاؤم وتفاعل في هندسة المدينة بين الحاجات النفعية والرمزية أو بين الأبعاد الخلقية والجمالية ). (حرب، 2005، ص158)

  وهذا مانراه منطقيا، نحافظ على تراثنا المعماري وعلى جمالياته المتماشية وطبيعة مدننا المناخية، وقيمنا الخلقية، فاتحين في الوقت ذاته فرص التجديد والتحديث، مستفيدين من تقنيات العصر الراهن وتكنولوجياته.

الخاتمة

  1. بشكل عام ومن خلال ماقدمته الرواية الجزائرية، فإن المدينة الصحراوية احتوت على عمران تراثي جميل كالقصور المحصنة، ذات الأزقة المسقوفة، الضيقة والمتعرجة. والفقارات، والبيوت الطينية والجبسية المتعددة الغرف، والمقببة الأسطح. والحدائق الداخلية المزدانة بالأسوار، والمعابد الكولونيالية العريقة، والجوامع المزخرفة بالأشكال الهندسية والنباتية المتداخلة والعاكسة لفن العمارة الإسلامي.
  2. تكمن جماليات العمارة التراثية في مدى تناسق أجزائها من حيث الشكل والحجم والقياس واللون، وانسجام مواد بنائها مع الطبيعة والمناخ. ومدى موافقتها للقيم والمعايير الخلقية والاجتماعية، كتوفرها على عنصر الأمان والخصوصية والحميمية.
  3. إحساس الروائيين الجزائريين بالانتماء الهوياتي، دفعهم إلى استدعاء الماضي، وتوثيق التراث المعماري كونه جزءا من مقومات الهوية الثقافية.
  4. يمكن اعتبار النص الروائي سجلا للتوثيق، وأداة مهمة للتحفيز على المحافظة على التراث المعماري.
  5. التغير ميزة إنسانية، وضرورة حتمية تلازم كل عصر من عصور التاريخ، وكل تغير في العمارة والنظم القديمة، ينتج عنه تأرجح الذات بين الدفاع عن القديم الذي يموت، والتبشير بالجديد الذي لايعرف كيف يحيا. والرهان هو تطويع التراث وجعله يتناسب مع التطور الحاصل.
  6. لم تهتم إلا القلة القليلة من الروائيين الجزائريين بالجانب المعماري للمدن والقرى الصحراوية. وكان اهتمامهم بالجانب الإجتماعي للمدينة أكثر من اهتمامهم بالجانب الحضري والمعماري.

المصادر والمراجع:

  • ابن خلدون، ولي الدين عبد الرحمن. (2004). مقدمة ابن خلدون. ط1. دار يعرب. دمشق. سورية.
  • الفيروز آبادي، مجد الدين. (1988) . القاموس المحيط. ط6. مؤسسة الرسالة. دمشق. سورية.
  • باشلار، غاستون. (1984). جماليات المكان. ط2. المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع والنشر. بيروت. لبنان.
  • بوجدرة، رشيد. ( 2002).  تيميمون. ط2. المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار. الجزائر.
  • زغب، أحمد محمد. (2005). المقبرة البيضاء. ط1. دار الكتاب العربي. القبة. الجزائر.
  • حاج أحمد، الصديق. (2013). مملكة الزيوان. دط. دار فضاءات للنشر. عمان . الأردن.
  • حرب، علي. (2005). حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية. ط3. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب.
  • حنكة، حواء. (2016). عايشة. ط1. الرابطة الولائية للفكر والإبداع. الوادي. الجزائر.
  • لؤلؤة، عبد الواحد. (1983). موسوعة المصطلح النقدي. ط2. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت. لبنان.
  • مقدم، مليكة. (2008).  الممنوعة. ط1. منشورات الاختلاف. الجزائر.
  • عبد الرؤوف، علي. (2014). من مكة إلى لاس فيجاس: أطروحات نقدية في العمارة والقداسة. ط2. مدارات للأبحاث والنشر. القاهرة. مصر.
  • عبد الرؤوف، علي. (2017). مدن العرب في رواياتهم. ط1. مدارات للأبحاث والنشر. القاهرة. مصر.

اظهر المزيد

د. إيمان جريدان

باحثة في الدراسات العليا بجامعة الأغواط، دكتوراه في العلوم، تخصص دراسات نقدية حديثة ومعاصرة، حاصلة على الكفاءة الأستاذية. لها بحوث أكاديمية نشرت في عدة مجلات وطنية ودولية. صدر لها مؤخرا "هوية المكان وتحولاته: قراءة في رواية طوق الحمام" عن دار الكافي للنشر والتوزيع والترجمة.

تعليق واحد

  1. الرواية تغذت ومازالت تتغذى من المكان ….مقال يحمل بين طياته حذق الناقدة المتبصرة المولعة بحب كل ما هو كلاسيكي قديم وتراثي ، يحاول أن ينبش أمقاد الماضي ويستثقها رغم أقفار ووحشة هذه الأماكن ،المكان رحلة لا تنتهي أو تنتهي لتبدأ في توقد الناقد والدارس من جديد ، هنيئا لك هذا التميز والأبداع ، أجدت العزف على أوتار عمران المكان…كل التوفيق والسداد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى