مراجعات كتبمقالات تاريخية

حجاج بلاد المغارب في تقرير عبد العزيز دولتشين

الكاتب: د. محمد ناصري

يكتسي الحج أهمية كبيرة في ذهنية المسلمين باعتباره ركنا خامسا للإسلام وجب أداؤه على القادر عليه من الناحية المالية والبدنية، وهو فضلا عن ذلك يمثل رمزية استغلت عبر التاريخ من طرف العديد من الدعوات السياسية والحركات المذهبية؛ فالحج يمثل مركز تلتقي فيه مختلف الجنسيات بما تحمله من طابع التنوع في العادات والتقاليد والذهنيات؛ وفيه يقع تداول الأخبار والمستجدات عن كل منطقة مشاركة في الحج.

دوافع الرحلة

 من هنا حظي الحج باهتمام من طرف العديد من الدول التي سعت إلى إرسال جواسيس لتدوين تقارير عن كل ما يتعلق بهذا الركن وجل التفاصيل الصغيرة والكبيرة؛ وذلك حتى لا تكون بعيدة عن الصورة في منطقة هامة كانت مدار صراع دولي على مر التاريخ؛ وحديثنا في هذا المقال عن العالم والشرق الأوسط في مشارف نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؛ حيث وجدت روسيا نفسها مجبرة على أن تحشر أنفها في منطقة الحجاز ولا تدع اللقمة سائغة للإنجليز والعثمانيين والألمان والفرنسيين؛ إضافة إلى أن الآلاف من رعاياها يحجون سنويا، إذ قدر عدد الروسيين المسلمين آنذاك بما يقرب من ستة عشر مليون نسمة خصوصا بعد ضم إقليم تركستان سنة 1898م؛ دون إهمال سبب مهم تمثل في قيام انتفاضة في منطقة أنديجان في 18 ماي 1898م بقيادة الزعيم الصوفي ايشان محمد علي صابر أوغلي، وهي منطقة ذات أغلبية مسلمة، وتقع حاليا في دولة أوزبكستان؛ لكل هذه الظروف رأت السلطة الروسية بوجوب إرسال ضابط يقوم برحلة للأراضي المقدسة مكة والمدينة ويقوم بتدوين ملاحظاته ويجيب عن إشكال أرّق كثيرا السلطة الروسية ويتمثل في إدراك خطورة الحج كمركز ديني يستغل للشحن السياسي؛ خصوصا أن زعيم الانتفاضة قام قبلها بقليل بأداء فريضة الحج واستقبل مبعوثين من السلطة العثمانية، ولهذه الدوافع كان نجاح التقرير مهما بالنسبة للسلطة الروسية، وبالتالي تعين عليها التريث جيدا قبل إختيار الضابط الذي يقوم بالمهمة، إذ وكما سيتضح أنه يجب أن يكون مسلما بالدرجة الأولى حتى يكون ملما بطريقة أداء الحج، ومتحكما في اللغة العربية حتى يتمكن من التواصل مع الساكنة.

عبد العزيز دولتشين: النقيب الروسي المسلم

 وقد كانت السلطة محظوظة بتوافر هذه الشروط في النقيب الروسي عبد العزيز دولتشين الذي اكتشفه وزير الحربية الروسي كورباتكين ورأى فيه من الهمة والاقتدار والإحترافية على أداء المهمة بنجاح؛ وكان اختياره للمهمة ذات وقع نفسي خاص عليه أين رأى فيها منحة ربانية لأداء فريضة الحج والمساهمة في إزالة الريب الذي انتاب السلطة الروسية من الحج؛ وقد كان له ذلك حيث تمكن بذكاء من تقديم تقرير يزيل كل شك وقلق من الركن الخامس للإسلام؛ فخلال رحلته رأى كثيرا من التخلف في منطقة الحجاز من انعدام للنظافة وانتشار الكثير من الأمراض المعدية بمنطقة مكة والمدينة وعرفات ومنى، فضلا عن عمليات النهب والسلب التي هددت الحجاج في طريقهم، فقبائل البدو عاثت في تنظيم الغارات على قوافل الحجاج؛ فكل هذه السلبيات قدمها للسلطة الروسية على لسان الحاج الروسي الذي يقارن هذه الأوضاع بالحجاز بأوضاع منطقته تحت الحكم الروسي، وخرج بنتيجة من خلال احتكاكه بالحجاج الروسيين أنهم يحمدون الله على عدل السلطة الروسية وسهرها على نشر الأمن، فالنهب على هذه الطريقة في الحجاز لا يوجد بروسيا لأن الجاني يعاقب، والأمن المنتشر يردع كل محاولة لزعزعة طمأنينة الساكنة؛ والوضع الصحي بروسيا مشجع بفضل انتشار المستشفيات والأطباء والصيدليات على عكسها بمنطقة الحجاز؛ إضافة إلى مقارنات أخرى صبت كلها في استحسان السلطة الروسية على السلطة العثمانية.

حجاج بلاد المغارب في تقرير دولتشين

 تخللت ملاحظات دولتشين بعض الأخبار عن حجاج بلاد المغارب مما رآه عيانا بمصاحبته لهم في القافلة ومجاورته لهم في مكة والمدينة وغيرها من المدن التي مروا عليها؛ بداية يوضح أن مفهوم المغاربة لدى سكان الحجاز لا يعني سكان المملكة المغربية فقط، بل من كل منطقة بلاد المغارب بما فيها ليبيا وتونس والجزائر؛ وقد قدم بعض الأرقام حول حجاج الجزائر لموسم 1898م أين قدر عددهم ب200 حاج وحجاج طرابلس600، في حين قدر عدد حجاج تونس 200 حاج والمغرب 300؛ ورأى من خلال مظهرهم ومستوى الخدمات التي يطلبونها أنهم فقراء، حيث لحظ انقضاضهم على الخرفان التي قدمت للتضحية في منى والتي قدر عددها ب12 خروف وهو ما ينم على حاجتهم؛ وفي معرض حديثه عن طبقة الحجاج المعدمة التي تقدم على أداء هذا الركن وهي لا تملك أموال كافية لذلك، وقد ذكر من هؤلاء العديد من البلدان ومن ضمنهم حجاج بلاد المغارب الذين يعيشون الطريق من الصدقات والتسول؛ وفي مكة يتناولون طعامهم في التكيات؛ أما بخصوص المبيت فإنهم يبيتون في العراء ويختارون شوراع في أطراف مكة والمدينة فالشوراع تغض بهم رفقة المصريين؛ كما ذكر بعض الملاحظات خلال تواجدهم معه في السفينة خلال انتقالهم إلى جدة إذ وجدهم قد سبقوه وكونوا طابورا خاصا بهم ووجد نفسه مضطرا إلى السير وراءهم محتارا في كيفية التواصل معهم وهم الذين لا يجيدون كلمة من لغته؛ وكان يجدهم دوما يسيرون في مقدمة القافلة متحدين كل من يتربص بالقافلة من قبائل البدو المتربصة للنهب؛ كما كان معهم أيضا في القافلة المتوجهة إلى ينبع؛ وخلال إقامته بالمدينة المنورة لاحظ إقامة المسلمين بها من عدة جنسيات ومن ضمنهم الكثير من الجزائريين والتونسيين؛ ولم يفته أن يبدي بعض الملاحظات عن ذهنية حجاج بلاد المغارب وممارستهم للتجارة في فترة الحج؛ فقد أعجب ببعض النساء يغنين أغنية أثرت فيه لدرجة أنه بكى تأثرا بها؛ ولاحظ أيضا اهتمام بعض الميسورين منهم بشراء الجواري فقد ذكر أن أحد حجاجهم اشترى جارية إلا أن السلطات الإنجليزية انتزعتها منه خلال مروره بمصر بعد تصريحها بمعاملته السيئة لها ولم تجدي معهم أي تبريرات منه؛ وسجل أيضا ارتباط المغاربة بالبحر وشوقهم له فبمجرد وصولهم من المدينة المنورة إلى مدينة ينبع الساحلية لاحظ فرح المغاربة برؤية البحر الذي وصفه بعنصرهم الطبيعي العزيز.

ختاما لا يسعنا إلا تثمين التقرير الذي دونه عبد العزيز دولتشين عن الحج وكل ما يتعلق به من إدارة وخدمات وذهنيات مختلف الحجيج، وهو يعتبر وثيقة هامة لا غنى عنها لمن رام التأريخ للحج ومنطقة الحجاز خلال الفترة التي زارها فيها؛ كما يعتبر مصدرا لا غنى عنه للباحث في تاريخ الأوبئة والأمراض وذلك بفضل ثراء ملاحظاته عن الأمراض التي شهدتها الحجاز، فضلا عن الحجر الصحي الممارس على الحجيج ونظرة البدو للمنظومة الصحية بما فيها الحجر.

اظهر المزيد

د. محمد ناصري

جامعة سيدي بلعباس (الجزائر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى