مقالات فكرية وفلسفية

دين بلا روح

الكاتب: الباحث حمزة بلقروية

كان العرب قبل الإسلام أمّة مُتخلّفة لا مكانة لها بين الحضارتين الأبرز في ذلك الوقت من فُرس و رُوم الّذان بلغا ذروة التقدّم المادي و الفكري و الفلسفي، و عند نزول الوحي تغيّرت الأوضاع حيث تحوّل هؤولاء العرب من الجهل و التخلّف إلى العلم و التحضّر و إستطاعوا الوقوف في وجه هذين الحضارتين و رفضوا الخُضوع و الخُنوع لهما و إستطاعوا كسر قيود الذلّ و الإستغلال و قاموا بشقّ الطّريق نحو إقامة حضارة إسلاميّة يشهد التاريخ بمكانتها و عظمتها و إستطاعوا كذلك من الصّمود و الإنتصار على هذين الحضارتين الذان كانا يَبسطان نُفوذهما في كلّ مكان مع حيازتهما على كلّ أسباب التقدّم في ذلك العصر، و كانت في المُقابل كلّ قوّة العرب هي العقيدة و الإيمان التّي بها حققوا نهضة غيّرت مجرى التّاريخ و انتصروا على أقوى الحضارات في عصرهم، فالمجتمع الذي تم بنائه على أساس العقيدة و كانت له أهداف واضحة مُرتبطة بما يُؤمن به سيتمكّن من تغيير مُستقبله و سيَصمد أمام مُختلف تحديّات العصر و لن ينهزم أمام المُجتمعات التّي تَملك أقوى أسباب التقدّم.

و إذا قُمنا بإسقاط هذه الحقيقة على مُجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة اليوم، فإنّ طريق نهوضنا و إعادة بناء حضارتنا و صُمودنا أمام أقوى الحضارات مُرتبط بمدى تعلّقنا بعقيدتنا و الأفكار و المبادئ التي نسعى إلى تحقيقها في واقع الحياة، فالدّين الذي يُحدث وعيًا و يُحي ضمائر أفراده هو  سرّ قوّة المُجتمعات و هو أوّل خُطوات التّغيير و النّجاح. و المقصود بالدَين هنا هو الذي نأخذه عن علم و وعي بمبادئه و هو الذي نجعله منهجًا عمليًّا في حياتنا اليوميّة و هو الذي نحتكم إليه في مُختلف المجالات ، و ما ابتلينا به اليوم أنْ أصبح الإسلام عندنا دين بلا روح فنحن لا نَكاد نرى اليوم آثاره العمليّة في مجتمعاتنا و لم يبق منه إلاّ تقاليد و عادات متوارثة تتناقلها الأجيال في ما بينها و أصبح هنالك إنفصال بين ما نؤمن به و بين الجانب العملي في سلوكيّاتنا و تعامُلاتنا في ما بيننا عملاً بقوله تعالى : “يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ” (1).

و تعليقًا على هذه الآية يقول القرطبي في تفسيره:

قوله تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة في الكلام حذف ؛ المعنى فولد له ولد وقال الله تعالى للمولود : يا يحيى خذ الكتاب بقوة وهذا اختصار يدل الكلام عليه . والكتاب التوراة بلا خلاف . بقوة أي بجد واجتهاد ؛ قاله مجاهد . وقيل : العلم به ، والحفظ له والعمل به ، وهو الالتزام لأوامره ، والكف عن نواهيه(2)

تفسير القرطبي

فالأصل في الدّين أن يُأخذ عن علم و عمل بأركانه و إلتزام بحدوده، و سنُحاول في ما يلى تقديم أمثلة عن كيفيّة تحوّل الدّين إلى تقاليد تُقام خالية من الآثار العمليّة داخل مُجتمعاتنا. و سنحاول في ما يلى تقديم مِثاليْن عن كيفيّة تحوّل الدّين إلى تقاليد تُقام خالية من الآثار العمليّة داخل مجتمعاتنا.

تُعتبر الصلاة من أهمّ الأركان في الإسلام و في إقامتها إقامة للحياة و تغذية للرّوح من أجل تجديد نشاط الإنسان في المجتمع وهي مصدر قوّته و تماسكه أمام مُعترك الحياة، و لكن هل تُؤدّي الصّلاة اليوم دورها الحقيقي في حياة النّاس؟ أم أنّها أصبحت حركات موروثة تُقام خاوية من روحها و من معانيها؟

فالأصل أنّ الصلاة لها أخلاقيّات يكتسبها العبد أثناء أدائها و لها تأثير على النّفس و بها تَحدث التّزكية و الثّورة الدّاخليّة لدى كلّ فرد مسلم، فهي تُربّي النّفس على مُقاطعة الفواحش من الأعمال و الأقوال و تجعله يرتقي بنفسه و يتّبع سبيل الطُهر و العفاف سواءًا في تعاملاته الماليّة مع باقي أفراد المجتمع أو في أقواله و مواقفه إزاء ممّا يدور حوله من أحداث أو في تعاملاته اليومية مع الآخر و يظهر هذا المقصد من الصلاة في قوله تعالى:” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ” (3).

و مانراه اليوم أنّه هنالك إنفصال بين حياة المؤمن داخل المسجد و عند إقامته للصلاة و بين حياته خارجه، فقد تجده يُصلّى و يُحافظ على الصلاة و ما إن غادر مُصلاّه قد تجده يتفوّه بالفُحش من الكلام و قد تستشعر بغلظة في تعامله مع الناس و قد تجده يلجأ للغش و التحيل و الإحتكار و الإبتزاز و الظّلم من أجل كسب المال و قد ينغمس في شهواته المحرّمة و يعكف عليها و قد تجده أيضًا يخون الأمانات بمختلف أنواعها و يضعف أمام مغريات الحياة من أجل تحقيق مصالحه الذاتية، و سبب ذلك بأنّنا نُؤدّي الصلاة على أنّها موروث إجتماعي يتناقله الأجيال خاليًا من مقاصده و معانيه و لم نقم بتأديتها من أجل تحقيق معانيها في أرض الواقع بل أصبح أداء الصلاة صورة إجتماعية خاوية لا أثر عملي لها في واقع الحياة، و تناسينا في المقابل أخلاقيّات الصلاة التي ذكرها لنا النبي صلى الله عليه و سلم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ” قَالَ اللَّهُ – تَبَارَكَ وَتَعَالَى – : إِنَّمَا أَتَقَبَّلُ الصَّلَاةَ مِمَّنْ تَوَاضَعَ بِهَا لِعَظَمَتِي وَلَمْ يَسْتَطِلْ عَلَى خَلْقِي وَلَمْ يَبِتْ مُصِرًّا عَلَى مَعْصِيَتِي، وَقَطَعَ نَهَارَهُ فِي ذِكْرِي، وَرَحِمَ الْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالْأَرْمَلَةَ وَرَحِمَ الْمُصَابَ، ذَلِكَ نُورُهُ كَنُورِ الشَّمْسِ أَكَلَؤُهُ بِعِزَّتِي وَأَسْتَحْفِظُهُ مَلَائِكَتِي أَجْعَلُ لَهُ فِي الظُّلْمَةِ نُورًا وَفِي الْجَهَالَةِ حِلْمًا وَمَثَلُهُ فِي خَلْقِي كَمَثَلِ الْفِرْدَوْسِ فِي الْجَنَّةِ” (4).

و ليس من الغريب أن نرى اليوم عُزوف البعض منّا عن أداء الصلاة لأنّ هذه العبادة أصبحت عندهم من التّقاليد و ضَعف تعظيمها في النّفوس و لم يعودوا ينظرون إليها على أنّها أمانة أمرهم الله بها و لم يعودوا ينظرون إليها على أنّها هي مفتاح التّغيير الدّاخلي لكلّ إنسان، و إن اهتدووا إليها فإنّهم سيلتزموا بها ظاهريًّا كمجرّد عادة إجتماعيّة و سُرعان ما ستفتُر نُفوسهم عليها أمام فتن الحياة و لن يَكون لها تأثير على نفوسهم لأنّهم قاموا بأدائها فقط لأنّها عادة و تقليد توارثوها جيل عن جيل بدون التفكّر في معانيها و بدون تلقّي أنوارها و مقاصدها.

و أمّا المثال الثاني الذي سنضربه فهو الحجاب الذي أصبح اليوم هنالك عزوف عليه و أيضًا انتشرت أكثر ظاهرة خلعه داخل مجتمعاتنا العربيّة و الإسلاميّة، فالحجاب تحوّل من عبادة و دين  إلى تقليد موروث تلتزم به المرأة المسلمة خاليًا من معانيه و مقاصده بل تحوّل اليوم إلى مُوضة لمن ترتديه و أصبح وسيلة لجذب الأنظار و لم تعد شُروطه المعروفة في الميزان و أصبحنا نرى المرأة المُتحجّبة تُقبل على الأماكن المشبوهة و تنخرط في الإختلاط الماجن الممتلئ بالشهوات و تنخلع عن حيائها في تعاملها مع الرجل و لا تلتزم بأداب الإختلاط المشروع و الهادف. و لذلك عند أوّل شُبهة أو فتنة تُعرض على المرأة المُسلمة حول الحجاب في ظلّ الإجتياح الثقافي الغربي الذي نَعيشه فإنها ستسارع لخلعه و تركه أو ترك شروطه و جعله حجاب موضة بإسم العصرنة لأنّها ما لبسته إلاّ لأنّه من التّقاليد و ليس على أساس عقيدة راسخة و تُصبح في المقابل المرأة المُسلمة المُلتزمة بشروط الحجاب و معانيه غريبة في مُجتمعها و كثيرًا ما يتمّ إنتقداها و عزلها من المشاركة الفعّالة في مُختلف المجالات.

إنّه من المحمود أن تتحوّل القِيم و الأخلاق الإسلامية إلى موروث إجتماعي هدفه ترسيخ مبادئ الإسلام و مظاهره في الحياة و لكن المُشكل أن تُصبح هذه المبادئ خاوية من معانيها و مقاصدها و أن تُقام فقط لأنّها عادات و تقاليد ورثناها عن آبائنا و بالتّالي يُصبح الدّين بلا روح و يفقد تأثيره على الأفراد و لن نرى مظاهره العملية في الحياة، فنحن نحتاج اليوم لإعادة إحياة روح التديّن داخل مجتمعتنا عن طريق نشر العلم و التفقّه في ديننا و أخذه عن دراية و معرفة تَبنى الثّقة و الإعتزاز به عند أفراده و تجعلهم يصمدون أمام مُختلف الفتن و تجعلهم قادرين على تغيير نفوسهم و بناء حضارتهم من جديد، و لذلك وجب علينا اليوم التّذكير بمعاني و مقاصد العبادات و الشعائر الإسلامية و ترسيخها في النفوس لتحدث وعيًا دينيًّا داخل نُفوسنا عملاً بقوله تعالي: ” وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”(5).

الهوامش:

  • سورة مريم،  الآية 12.
  • تفسير القرطبي ، سورة مريم، قوله تعالى كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا، الجزء 11، الصفحة رقم : 3.
  • سورة العنكبوت، الآية 45.
  • مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد، كتاب الصلاة ، باب علامة قبول الصلاة، الجزء الثاني، الحديث رقم: 2889، الصفحة رقم: 147.
  • سورة الذاريات، الآية 55.

اظهر المزيد

الباحث حمزة بلقروية

باحث تونسي مهتم بالفكر الإسلامي و القضايا المعاصرة. نُشرت له مقالات متفرّقة في أعداد مختلفة من مجلة الوعي الإسلامي.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى