مقالات فكرية وفلسفية

فقه المقاطعة

الكاتب: الباحث حمزة بلقروية

في ظلّ تصريحات الرئيس الفرنسي الدّاعمة للرّسوم المُسيئة لرسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام و القيام بنشرها على جدران المبانى الحكوميّة، إجتمعت أغلب الشّعوب المسلمة على مُقاطعة المنتوجات الفرنسيّة كردّة فعل إحتجاجيّة و دفاعًا على المصطفي عليه أفضل الصلاة و السلام و دفاعًا على كرامة الأمّة و حُرمتها. و لم يَتخلّف عن هذه المقاطعة إلاّ علماء السّلطان المُحرّفين لدين الله  وفق أهواء السّلطة الحاكمة مُقابل المتاع الدّنيوى من مال و جاه و نفوذ و الحكومات المُستبدّة التّي لا دين لها إلاّ السّلطة و التّي لا تُراعي إلا مصالحها الضيّقة و كذلك الحكومات الضّعيفة المُتّسمة بالجُمود و المُتبّعة لسياسة الإستهلاك و التي لا تملك سيادتها بنفسها و جعلت مصيرها في يَد الدّول الغربيّة و  لا ننسى أيضًا النّخب الإعلامية و المُثقّفة عندنا المُنبهرة بطريقة عمياء و غبيّة بالثقافة الفرنسية و الغربيّة ككلّ حيث بلغ بهم الأمر بأن يَدعموا و يُدافعوا عن من يَستهزء بدينهم و برسولهم و مُحاولة التّهوين من المقاطعة الشعبيّة و تَثبيط العزائم.

و بسبب إختلاف المواقف و تباينها سنُحاول في هذا المقال تَبيين المفهوم الشّرعي للمُقاطعة مع التّركيز على أبعادها و غاياتها المُستقبليّة و كيفيّة نجاحها.

و قبل الشّروع في ذلك لا بدّ لنا أوّلاً من الحديث عن مفهوم الحرّية حيث تبنّت الحكومة الفرنسية موقفها في دعم الرّسومات المسيئة لرسول الإسلام بإسم الحرية و الدفاع عن هذا المبدأ. فلا ينكر عاقل منّا أنّ الحرّية قيمة إنسانيّة وجب حفظها و الدّفاع عنها و لكن بدون إفراط و لا تفريط حيث قد تُصبح هذه الحرية أداة للإعتداء و الإستهزاء بالغير و هذا ما وقع فيه الرئيس الفرنسي و الواقع أيضا يُثبت لنا أنّ هذه الحرية زائفة حيث يتمّ التّعامل بها بمِكيالين فعندما يتعلّق الأمر بالإسلام و المسلمين تُصبح الحرّية عندهم مطلقة و بدون حدود و عندما تتعلّق هذه الحرية باليهوديّة و بالمسّ من السّلطة الحاكمة عندهم يتمّ التّضييق عليها و إتّهام صاحبها بتجاوز حدوده و يُطالبونه بالإعتذار.

و لتوضيح حقيقة ما ذكرناه سنضرب أمثلة على ذلك، أوّلها ما حدث لرسّام الكاريكاتير موريس سينيه المنتمى لنفس المجلّة التّي نشرت الرّسوم المُسيئة لرسولنا صلى الله عليه و سلم بإسم الحرّية الغير محدودة. ففي سنة 2009 قام هذا الرساّم بنشر رسمة ساخرة حول ابن الرّئيس الفرنسي السّابق نيكولا ساركوزى الذّي قرر تغيير دينه من المسيحيّة  إلى اليهوديّة من أجل المال، فقامت هذه المجلّة بفصله عن عمله بعد مُدّة ستة عشر سنة من العمل و تمّ رفع قضايا ضدّه بسبب هذه الرّسمة الساخرة ! و لنتسائل هنا أين الحرّية المزعومة التي يتبجّجون بها أم أنّها تُستخدم فقط ضدّ الإسلام و المسلمين؟ أليس هذا ظُلمًا و إعتداء عندما يتمّ التّعامل مع الآخرين بمِكيالين؟!

و أمّا المثال الثاني فقد وقع بعد نشر الصُور المُسيئة لسيّد المرسلين عليه أفضل الصلاة و السلام حيث قام رسّام الكاريكاتير الموريطانى خالد مولاي إدريس الذي يعمل مع مُنظّمة فرنسية في شهر أكتوبر بنشر  صور ساخرة للرئيس الفرنسي ماكرون كردّة فعل مُماثلة بسبب دعمه للمجلّة الفرنسيّة النّاشرة للصور المُسيئة لرسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام فماذا كانت النتيجة؟! قامت هذه المُنظّمة بمُطالبته بفسخ عقده بسبب هذه الرّسوم السّاخرة، فهل الرئيس الفرنسي أعظم و أرفع مكانة من رسول الله صلى الله عليه و سلم حتّي يُطالبون المُسلمون بالسّكوت و الرّضاء بالذلّ و عدم القيام بالمقاطعة كردّة فعل؟!

و لا ننسي أيضًا منهجية فرنسا الإستعماريّة و تاريخها المُناقض للحرّيات التّي تُدافع عنها و التّي تَجعلها شعارًا زائفًا لها، فكلّ بلدٍ تقوم فرنسا بإستعماره سابقًا فإنْ وجدت فيه مُقاومة تقوم بقتْل و قَطع رُؤوس كبار المجاهدين فيه و مِنْ ثمّ إرسالهم لمتحف الإنسان الموجود في فرنسا إلى اليوم و جماجم المقاومين إلى اليوم مازالت تَشهد بذلك، و بعد إحتلالها لذلك البلد تبدأ فرنسا بسياستها الإستعماريّة عن طريق طمس هويّة المجتمع الإسلامية و فرض عليهم نمط عيش غريب عنهم فأين الحرّية بأن يُقرّر الإنسان بأيّ مبادئ و قيم و أسلوب يعيش به؟!

و لتوضيح هذه الحقيقة نأخذ على سبيل المثال ما حدث في التّشاد فبعد إحتلالها سنة 1900 وجدت فرنسا عقبة جديدة ألاَ وهي تَشبّث التّشاديّين بدينهم و هويّتهم الإسلاميّة فبدأت فرنسا “راعية الحرّيات” بمُحاربة هذه الإيديولوجيّة الإسلامية عن طريق إلغاء القوانين المُستمدّة من الشّريعة الإسلاميّة و إستبدالها بقوانين فرنسيّة  و عن طريق إستبدال اللغة العربيّة المُعتمدة و إستبدالها باللّغة الفرنسيّة و عن طريق هدم المساجد و حرق نسخ القرآن و إغلاق الكتاتيب و كما قامت فرنسا ببناء مدارس حديثة و مستشفيات جديدة لا يَدرس فيها و لا يُعالج فيها إلاّ من كان مسيحيًّا !

و إلى جانب ذلك قامت فرنسا في ذلك الوقت بتجفيف المنابع عن طريق إرسال دعوات للعلماء و الفقهاء الموجودون في التّشاد بغاية التباحث و التشاور مع المُمثّلين الفرنسيّين و قدم الجميع يوم 17 نوفمبر 1917 بإستثناء القادة الفرنسيّين و في حالة الإنتظار أرسلت الجهات الفرنسيّة جُنودها حاملين سكاكينهم و حصلت مجزرة تمّ إبادة فيها كلّ العلماء و الفُقهاء الحاضرين و تمّ دفنهم على مكانهم ! و إلى اليوم تستمرّ سياسة تغريب المُجتمعات المُسلمة و فرض عليهم أسلوب العيش الفرنسي فأين حرّية الشُّعوب في إختيار طريقة عيشها؟! و أين حرّية الشّعوب بأن تعيش وفق مبادئ دينها؟!

و مُؤخّرًا في  17 نوفمبر 2020  صرّح وزير الداخليّة الفرنسي أنّ الآباء الذّين يذهبون للمُدرّسين الفرنسيّين و يُطالبونهم بإيقاف تدريس الكاريكاتير سيُعرّضون أنفسهم للوقوف أمام القضاء و من حقّ القاضي إن ثبُت عليهم جريمَتهم في رفض هذه الرسوم بأن يُطالبهم القاضي بمُغادرة فرنسا إنْ كانوا أجانب ! فالحرّية عندهم هي المُدافعة عن منْ يَرسم رُسوم مسيئة لرسول الإسلام عليه الصلاة و السلام و أمّا من يُعبّر عن رأيه و يَرفض هذا الأمر و يَنتقده فليس له حرّية في ذلك بل تُعتبر جريمة يُعاقب عليها القضاء !

و من هنا نستنتج أنّ مفهوم الحرّية في فرنسا لا يتّسم بالعدل خاصّة عندما يتعلّق الأمر بالإسلام و المسلمين، و قد أكّد على هذا المعنى ماركو بيروليني الباحث لدى مُنظّمة العفو الدّوليّة لشؤون أوروبا حيث قال:” إن الحكومة الفرنسية ليست نصيرة حرية التعبير كما تزعم. ففي عام 2019، أدانت محكمة فرنسية رجلين بتهمة “الازدراء” بعد أن أحرقا دمية تمثل الرئيس ماكرون خلال مظاهرة سلمية. ويناقش البرلمان حالياً قانوناً جديداً يجرّم تداول صور المسؤولين عن إنفاذ القانون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن الصعب التوفيق بين هذا التوجه وبين دفاع السلطات الفرنسية الشرس عن حق تصوير النبي محمد في رسوم كاريكاتورية…. إن سجل فرنسا في حرية التعبير في مجالات أخرى قاتم بنفس القدر. ففي كل عام يُدان آلاف الأشخاص بتُهمة “ازدراء الموظفين العموميين”، وهي جريمة جنائية مُعرَّفة بشكل غامض وطبقتها سلطات إنفاذ القانون والسلطات القضائية بأعداد هائلة لإسكات المعارضة السلمية. ففي يونيو/حزيران من هذا العام، وجدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن إدانة 11 ناشطاً في فرنسا بسبب قيامهم بحملة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية تنتهك حقهم في حرية التعبير.”(1).

و من يُدافع عن هذه الرّسوم بإسم الحرّية الكاذبة فليُراجع نفسه لأنّه لا وجود لحرّية مُطلقة و إن وُجدت سوف تتحوّل إلى إساءة و إعتداء على الغير و لأنّه كما بيّنّا في المثالين السّابقين أنّ هذه الحرّية تنتهي عندما يتمّ المسّ بالرّئيس الفرنسي أو عندما يتمّ المسّ باليهود و تُصبح قضيّة معادات للسّامية و أمّا المسلمين و رسول الإسلام و دينهم فليتمّ السّخرية منهم بإسم الحرّية الكاذبة بلا حدود بسبب ضُعفنا بين الأمم و بسبب جُمودنا و تخلُّفنا حتّى أصبح التّطاول علينا أمرًا عاديًّا !

من أجل إيقاف كلّ فعل أو قول فيه عنصريّة و إستهزاء بالآخر و إستحقار له و إعتداء على حُرماته وجب إتّخاذ موقف واضح و حازم حتّى لا يتواصل هذا التطاول و يقع تكراره في كلّ مرّة، و هذا ما ذهبت إليه أغلب الشُعوب المسلمة التّي مازلت تتّقد داخلها جذوة الإيمان الخافتة و الذّين جعلتهم هذه الحادثة يتّحدون و يتوافقون على موقف واحد ألاَ و هو مُقاطعة المُنتجات الفرنسيّة  و في هذه المقاطعة صبغة شرعيّة مُستمدّة من القرآن و السنة و فتاوى العلماء.

يقول الله عزّ و جلّ في كتابه الكريم:” وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا(2).

و في هذه الآية أمر واضح بمقاطعة مجالس الكفّار و المُنافقين الذّين يكفرون  بآيات الله و يستهزؤون بها و الغاية من ذلك إظهار الغضب و إنكار ما يتداولونه في مجالسهم حتّى ينتهوا عن ما يقولون من باطل و من لم يقاطع هذه المجالس و رضيَ بها فإنّه مثلهم و شريكهم في الإثم، و من المُسلَّم به أنّ الإستهزاء برسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام و الإساءة له يندرج تحت السياق العام لهذه الآية و المُقاطعة الشعبية للمنتوجات الفرنسيّة ما هي إلا وسيلة للتعبير عن الغضب و الرّفض لهذا الباطل و إنكاره كما كانت مُقاطعة المجالس وسيلة أيضًا للإحتجاج و الإنكار.

و في آية أخرى يقول لنا سُبحانه و تعالى: ” وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (3).

و الخوض في آيات الله هو الإستهزاء بها و تكذيبها و التّشكيك فيها و نشر الباطل حولها، و الإعراض يكون بمُقاطعة مثل هؤولاء و عدم مُجالستهم من أجل تأديبهم و إنكار فعلتهم هذه، فما بالنا بمن خاض في رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم و نشر الأباطيل و الأكاذيب حوله و حول الإسلام؟! أليس من الأولى لنا إظهار الغضب و مُقاطعة من صدر منه هذا الفعل و القول؟!

و إذا إنتقلنا الآن إلى السنّة النبوية فإنّنا سنجد العديد من الأحاديث التّي يُمكننا إستنباط منها حُكم المُقاطعة كردّة فعل فيها غضب و إنكار و دفاع عن حرمات هذا الدين، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِلَى قَوْلِهِ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَالَ كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا” (4).

عندما لم تكُن هنالك ردّة فعل و إعراض ضدّ من يتجرأ على محارم الله و يُصرّ على المعاصي مع مواصلة مُجالستهم و التّعامل معهم و مُخالطتهم في الأكل و الشرب و عدم مُقاطعتهم ما داموا على تلك الحال استحقّوا اللّعن و الغضب من الله عزّ و جلّ، فكيف بمن يستهزء و يسخر من رسول الإسلام أليس من الأولى لنا أن يكون لنا موقف واضح فيه إحتجاجًا و رفضًا لهذا المنكر و مُقاطعة أهله؟

و في حديث آخر عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ (5)، فأيّ مُنكر أكبر من الرّسوم المسيئة لرسول الله عليه أفضل الصلاة و السلام ؟ أوليست المُقاطعة مُحاولة لتغيير هذا المنكر و مُعاقبة مرتكبيه؟!

و إذا بحثنا في فتاوى العلماء الصادقين في نفس هذا الباب فإنّنا سنجد مشروعيّة إستخدام سلاح المقاطعة،  فعلى سبيل المثال فتوى الشّيخ السعدي حيث قال:” كما أن من أنفع الجهاد و أعظمه مقاطعة الأعداء في الصادرت و الواردات، فلا يسمح لوارداتهم و تجارتهم، و لا تفتح لها أسواق المسلمين، و كذلك لا تصدر لهم منتجات بلاد المسلمين و لا بضائعهم خصوصا ما فيه تقوية للأعداء..” (6)

و نجد أيضًا أنّ الشيخ سلمان العودة يُبيح هذا الأمر فيقول:” لماذا يتردد المسلمون في إستخدام سلاح المقاطعة السلبية ليؤدى بعض النتائج، أو ليشعر المسلم على الأقل بأن ثمة دورا و لو محدودا يستطيع أن يقوم به ؟ إنه جزء من الإنكار القلبي أو العملي السهل الذي لا يخسر فيه المرء أكثر من أن يختار صناعة عربية أو إسلامية أو يابانية أو أوروبية عند الحاجة و ربما تكون بالميزات نفسها  و بالسعر ذاتها، و في قصة ثمامة بن أثال سيد بنى حنيفة عبرة  فقد قرر ألا يصل إلى كفار مكة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم” (7)

و من خلال هذه الأدلة مُجتمعة تُعتبر المقاطعة وسيلة شرعيّة من أجل الإحتجاج السّلمي ضدّ كلّ من يُسئ للإسلام و لرسوله و لكلّ من يستهزئ بشرعنا الحنيف و لكن  السؤال المطروح هنا هل المقاطعة هي وسيلة الناجحة للتعبير عن الغضب و إستنكار ما يحدث اليوم؟ و للإجابة عن هذا السؤال سنعود لتاريخ موجز للمقاطعات التي حصلت في السّابق و سنُحاول معرفة نتائجها.

في سنة 1965 حصلت مُقاطعة لأصحاب مزارع العنب في الولايات المُتّحدة الأمريكيّة تزامُنًا مع تحرير المكسيك، حيث تمّت الدعوة إلى مُقاطعة المزارع التّي تُوظّف عُمّالا مكسيكيّين بأثمان بخسة مُقابل أعمال مُجهدة، فكانت  النتيجة بأن قام أغلب سُكّان كاليفورنيا بمُقاطعة شِراء العنب ممّا أدّى ذلك إلى إنشاء قانون جديد يهتمّ بتحسين الوضع المادى للعُمّال.

و في سنة 1955 أُشتهرت هذه الفترة بالعنصريّة ضدّ أصحاب البشرة السّوداء في أمريكا حيث كانوا ذوى البشرة البيضاء إذا ركبوا الحافلة لهمُ الحقّ مِنْ أخذ مقاعِد ذوى البشرة السّوداء و مُطالبتهم بالوقوف و تركها لهم، فقرّر كلّ مواطن صاحب بشرة سوداء مُقاطعة الحافلات و عدم رُكوبها إحتجاجًا على هذا الظلم و العنصريّة و كانوا يقضُون حاجيّاتهم كلّها مشيًا على الأقدام و دامت هذه المقاطعة 13 شهرًا، فكانت النّتيجة أنْ قرّرت المحكمة العليا في أمريكا بسنّ قانون ينصّ على المساواة بين الجميع داخل الأماكن  و المواصلات العامّة.

في سنة 1930 كانت بريطانيا تعتمد سياسة قائمة على الإحتكار في التّصرف في الملح الهندى خلال فترة الإستعمار مما أدّى إلى إحتجاج عام قاده غاندى حيث قرّر هو و من معه بصناعة الملح بأنفسهم و مُقاطعة الملح الذي تتصرّف فيه بريطانيا و تواصلت الإحتجاجات حتى حدود سنة 1947 و إنتهي الأمر بإنسحاب بريطانيا من الهند.

و توجد في التاريخ العديد من المُقاطعات النّاجحة التّى أدّت بالضّرر للطّرف الآخر و إستفاد منها من ساهموا في المقاطعة و حقّقوا أهدافهم فيها، و نحن اليوم إذا أرنا النجاح في المقاطعة الإقتصادية لفرنسا وجب علينا إتّباع شُروط معيّنة حتى تنجح هذه المقاطعة. في سنة 2009 قام الباحث فيليب ديلاكوت بتقديم بحث مفصل حول أسباب فشل المقاطعات و كيفية نجاحها(8)، و قدّم لنا هذا الباحث أهم خصائص المُقاطعة الناجحة.

فأول شرط في نجاح أيّ مقاطعة هو أنْ تكون هذه المقاطعة قانونيّة و المقصود بذلك بأنّنا لنا الحقّ كمستهلكين أنْ نقاطع ما نشاء من المُنتجات و لكن بدون اللّجوء للإعتداء و العنف و قطع الطريق، و هذا الخطأ الذي وقع البعض منّا فيه بإستعمال العنف و القتل ردًّا على الإساءة على نبينا عليه الصلاة و السلام، فعندما تمّ قتل الأستاذ الفرنسي الذّي أدرج الرّسوم المُسيئة في مادته زاد الأمر تعقيدًا و لم يعد ذلك بالنّفع على الإسلام و المسلمين بل زادت حدّة الإتّهامات للإسلام و وسمه بالإرهاب و العُنف و الدمويّة و زاد التضييق على المساجد و على المسلمين في فرنسا و خارجها و علينا هنا ضبط النفس و عدم التصرّف بغضب و حماسة بل بحكمة و ذكاء حتّى نستطيع النّجاح في إيصال إستنكارنا لهذه الرّسومات و فرض إحترام حكومات الدّول  الغير المسلمة لرسولنا عليه أفضل الصلاة و السلام و لديننا، فالعنف لن يكون الحلّ هنا بل سيجُرّنا إلى الفوضي و الشّتات و الضّياع ولنحذر من الوقوع في الإستفزازات المُمنهجة لمحاولة تشويه الإسلام و المُسلمين.

و الشرط الثاني هو أن تكون هذه المقاطعة مركزية أي أن تكون هنالك جهة مُوحّدة تقود هذه المُقاطعة و تُنظّم حركتها و تُوحّد الجُهود، و تنقسم هذه المركزية لقسمين أوّلهما الدّولة و المقصود بذلك و هو الأصل عندنا بأن تتّخذ حكومتنا المسلمة موقفًا واضحًا ضدّ الإساءة الفرنسيّة لرسولنا و لديننا و أن تكون الدّولة هي القائدة لمُقاطعة المنتوجات الفرنسية المستوردة في مختلف المجال و يكون ذلك عن طريق وضع إستراتيجيّات جديدة تبدأ أوّلاً بمُقاطعة الجمود و التخلّف و حثّ الكفاءات عندنا بصناعة ما نحتاجه بغاية تحقيق إكتفائنا الذّاتي و الإستغناء عن المنتاجات الفرنسيّة و غيرها حتى تكون لنا قوّة في تقرير مصيرنا بأيدينا و رفض كلّ عدوان و ظلم و إستهزاء  يقع على الإسلام و المسلمين و لن نصل إلى ذلك إلاّ بدعم العلم و العلماء في مختلف المجالات و لا نستسلم لضعفنا الذّي نعيشه اليوم و الذّي تختبئ وراؤه حكوماتنا الصامتة و الغير المندّدة و لو بالكلمة لما يحصل من عبث و إستهزاء بكرامة الأمّة و برسولها أفلم يحن الوقت لحكوماتنا أن تقطع مع الذلّ و الضعف و أن تبحث عن النّهوض و الكدّ و العمل و الإصلاح؟!

و علينا ثانيا كأفراد مجتمع بأنْ نستجيب لهذه المقاطعة الإستهلاكية و بأنْ نُوظّف طاقاتنا قي العمل بهدف أن نصبح مجتمع مُصنّع يستهلك ما يحتاجه بنفسه و لا يرضي بالذلّ و الهوان و علينا مطالبة حكوماتنا بذلك و القطع مع كلّ جهة حزبيّة تدعوا للبقاء في مستنقع التخلّف و الضّعف و العبوديّة للغرب و ما كانت أيّ حكومة في عالمنا الإسلامي لتصل لكرسي الحكم و البقاء فيه إلاّ عن طريقنا نحن أفراد المجتمع و نحن قادرون على إزالتهم و المُطالبة بهذه المبادئ إذا توحّدت جُهودنا و إنتشر الوعي بيننا و ثالثًا وجب على حكوماتنا قطع كلّ التّعاملات و كل عمليّات التّصدير للمواد الخام التى تستنفع بها فرنسا و غيرها ممّن يستحقر ديننا و يستهزئ به و في المقابل البحث عن شركاء جدد يتعاملون معنا بإحترام و ليس بإستغلال و بنظرة إستعمارية و هذا الأمر ليس بالمستحيل لو يوجد في حكوماتنا من يتحمّل المسؤولية بل نحن كدول إسلامية لو وحّدنا جُهودنا و أحدثنا إستراتيجيّات إقتصاديّة مُشتركة فلن نحتاج إلى أروبا أو أمريكا بل هم سيحتاجون لنا فأوطاننا غنيّة بالنفط و الغاز و الماء و الذهب و الفسفاط و الملح و المعادن و لكنّنا لسنا نُحسن إستخراجها أو التصرّف فيها، فمتى نَعي دورنا في الحياة و نكون في مستوى الخلافة التّي كلّفنا الله بها و متى تعلم حكوماتنا أنّهم في موضع تكليف و عمل لا موضع تشريف و تقاعس؟!

و أمّا القسم الثاني فهي مركزيّة الأشخاص في حالة غياب مركزيّة الدولة كما هو واقعنا اليوم، و هنا تظهر قيمة الجمعيّات و النّشطاء داخل مجتمعاتنا من أجل قيادة و تنظيم  المقاطعة الإقتصادية و وضع إستراتيجية واضحة تُوحّد الجهود من أجل إنجاحها و ترك التّناحر و حبّ الظهور و العمل من أجل نشر الوعي بين أفراد المجتمع بأهميّة مُقاطعة المنتوجات الفرنسية خاصّة لدى رؤوس الأموال و أصحاب الشركات الذين يضخّون أموالاً طائلة في عمليّات الإستيراد لمُختلف المنتوجات الفرنسية مع مُحاولة توجيه هذه الأموال إلى الإستثمار الدّاخلي أو تعويض المنتوجات الفرنسيّة بغيرها، فإلى جانب المقاطعة الشعبيّة و مقاطعة رجال الأعمال لعمليّات التوريد من فرنسا سيكون هنالك تأثير واضح يمسّ من الإقتصاد الفرنسي و يحقق الضرر له و لا ننسي أيضا ضرورة دعم رؤوس الأموال عندنا لحملة المقاطعة و تمويلها ماديًّا حتى تصل للجميع و تُحقّق أهدافها، و على النّشطاء و الجمعيّات أن تكون لهم إدارة موحدة يتمّ الإتّفاق عليها مع ضرورة الإخلاص و بذل أقصى الجهد من أجل إنجاح عمليّة المقاطعة و إستغلال مختلف الوسائل المتاحة من إعلام و مواقع للتواصل الإجتماعي و في المقابل علينا كأفراد مجتمع واحد أن نصطفّ ورائهم و بأن ندعمهم في مواقفهم و قراراتهم حتى يكون هنالك وزن و تأثير كبير لعمليّة المقاطعة و أن نكون كالجسد الواحد و لا يتخلّف منّا أحد.

و أمّا الشرط الثالث فهو الإستمراريّة فعلينا عدم إستعجال النتائج و الصّبر و المُرابطة حتّى نُحقّق أهداف المُقاطعة بأن تتوقّف عمليّات الإستهزاء و نشر الرّسوم المُسيئة لرسول الإسلام و أن يحصل إعتذارًا رسميًّا من الرّئيس الفرنسي للمسلمين و إحترامهم و إحترام دينهم، و لنحذر من أن تكون المقاطعة للمنتجات الفرنسية مؤقتّة و من ثمّ نعود إليها بقّوة إستهلاكية هائلة و بالتّالي لن يكون هنالك أيّ ضرر للإقتصاد الفرنسي بل قد يحصل للعكس و تُحقّق الشركات الفرنسية أرباح أكثر ممّا كانت عليه.

و في الختام وجب علينا لفت النظر إلى نوع آخر مهمّ من المقاطعة التّي نحتاجها اليوم إلى جانب المقاطعة الإقتصادية ألا و هي المُقاطعة الثقافية التّي بها يُمكننا كمجتمعات مسلمة إحداث عزلة بينننا و بين كلّ وافد فرنسي إلينا بأنْ نقاطع لغتهم و نسعي لإرساء لغة القرآن  مكانها و بأنْ نُقاطع إعلامهم و أدبهم و مجلاّتهم و كُتبهم و و فكرهم و فنونهم و مبادئهم و قوانينهم التّي يريدون فرضها علينا و نمط عيشهم و في المقابل علينا أنْ نبحث عن تجديد ثقافتنا الإسلامية التّي تركناها منذ زمن بعيد فقد حان الوقت لنا بأنْ نقوم بإعادة إحياء ثقافة الإسلام بيننا في تعاملاتنا اليومية سوى داخل بيوتنا أو في الطّرقات أو في أماكن العمل أو في الخصومات و النّزعات و علينا أيضًا غرس هذه الثقافة داخل نفوس النّاشئة و جعلها محور حياتهم و لا يُمكننا تحقيق ذلك إلاّ عن طريق نشر الوعي في ما بيننا و التّذكير أيضًا بجرائم فرنسا و تاريخها الإستعماري و دعمها للإسلاموفوبيا و بتاريخ و جرائم  كلّ دولة تستهزئ بديننا و بنبيّنا عليه أفضل الصلاة و السلام حتّى تُصبح المُقاطعة الثقافية عقيدة في نفوسنا و علينا كذلك بأنْ نسعي لطبع أخلاقنا و تفكيرنا و منهج حياتنا وفق قيم الإسلام و مبادئه و بأنْ نواجه الإستهزاء بنبي الإسلام صلى الله عليه و سلم بزيادة التمسّك بسنّته و الإستقامة على ديننا و أن يكون حبّنا له فعل و قول و تطبيق لشريعة الإسلام لا أمانيّ تُقال على أن تستمر هذه المقاطعة الثقافيّة إلى ما لا نهاية تجعل الطرف الآخر في عُزلة عنّا لا يستطيع الوصول لنا و لا يستطيع فرض فكره و نمط عيشه و قوانينه علينا.

الهوامش:

  • (1): مقال بعنوان فرنسا ليست نصيرة حرية التعبير كما تزعم للباحث ماركو بيروليني، عن موقع: https://www.amnesty.org/ar/latest/news/2020/11/france-is-not-the-free-speech-champion-it-says-it-is/
  • (2): سورة النساء الآية 140.
  • (3): سورة الأنعام الآية 68.
  • (4): عون المعبود، كتاب الملاحم ، باب الأمر والنهي، الجزء 11، الحديث رقم: 4336، الصفحة رقم: 379.
  • (5): جامع العلوم والحكم،الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، الجزء الثاني، الحديث رقم: 34، الصفحة رقم: 243.
  • (6): كتاب المقاطعة الإقتصادية تأصيلها الشرعي و واقعها المأمول لعابد بن عبد الله السعدون ،الباب الثالث: تقويم واقع المقاطعة الإقتصادية ،الفصل الثاني : تقويم المقاطعة الإقتصادية على المستوى الشعبي ، الصفحة رقم: 175
  • (7): نفس المصدر السابق، الصفحة رقم : 178.
  • (8):  On the Sources of ConsumerBoycotts Ineffectiveness ,Philippe Delacote، عن موقع:https://www.researchgate.net/publication/228268900_On_the_Sources_of_Consumer_Boycotts_Ineffectiveness

اظهر المزيد

الباحث حمزة بلقروية

باحث تونسي مهتم بالفكر الإسلامي و القضايا المعاصرة. نُشرت له مقالات متفرّقة في أعداد مختلفة من مجلة الوعي الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى