مراجعات كتبمقالات تاريخية

قراءة في كتاب “تاريخ الجزائر الثقافي من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن التاسع الهجري”

الكاتب: د. محمد ناصري

على شاكلة روائعه في إتحاف جمهور المتابعين والقراء بمؤلفاته القيمة التي غطت تاريخ الجزائر في الفترتين الحديثة والمعاصرة، أبى المؤرخ الألمعي أبو القاسم سعد الله إلا أن يترك بصمته في التاريخ الثقافي للجزائر خلال العصر الوسيط، حيث نشر سنة 2015 كتاب تاريخ الجزائر الثقافي من الفتح الإسلامي إلى نهاية القرن التاسع الهجري، والذي ضم جزئين فاقت صفحاتهما الألف؛ اعتمد فيه على كم معتبر من المصادر والمراجع ذات الصلة بالموضوع؛ الكتاب رائع من ناحية الأسلوب وتقديم الأفكار، وضم آراء مهمة للكاتب حول بعض القضايا الهامة خلال العصر الوسيط؛ ولعل أبرزها رفضه للتحامل المقصود لما يسمى بالخراب الهلالي بعد هجرتهم إلى بلاد المغرب في النصف الأول من القرن الخامس، متعجبا من تناسيهم للخراب الذي قامت به الكاهنة من تخريب للعمران والمجال الفلاحي حتى لا يغنمه حسان بن النعمان؛ وأيضا من الخراب الذي أحدثه مخلد بن كيداد الزناتي المعروف بصاحب الحمار خلال ثورته ضد السلطة الفاطمية؛ كما أبدى رأيه حول ولاء كتامة وصنهاجة للخلافة الفاطمية مرجحا أن صنهاجة كانت أذكى من كتامة وتمكنت من إبراز نخبها العسكرية الذين افتكوا ولاية المغرب بعد هجرة الفاطميين لمصر؛ إضافة إلى إقراره بالأثر الأندلسي البارز في دول ما بعد الموحدين في النواحي العمرانية والثقافية؛ فضلا عن قضية الاختفاء المحير لزناتة في نهاية العهد الزياني أين طرح فكرة شارل أندري جوليان القائلة بانصهار زناتة في بوتقة القبائل العربية تدريجيا. وبالرغم من اعتماده على المراجع في الكثير من فصول الكتاب إلا أنه نجح في إعادة صياغتها بأسلوب جيد بحكم خبرته الطويلة في البحث والتأليف، على أنه ألف هذا الكتاب وهو مصاب بوعكة صحية حالت دون تدقيقه في المعلومات الواردة في ثنايا الكتاب.

على نسق فصول الجزء الأول من الكتاب واصل المؤلف حديثه عن الجزائر خلال العصر الوسيط عبر تسعة فصول خصص الثلاثة الأولى منها للجوانب السياسيه بتطرقه للتاريخ العام خلال العهد الفاطمي والزيري والحمادي والمرابطي والموحدي ودول ما بعد الموحدين؛ في حين تطرق للأوضاع الثقافية في ما تبقى من فصول موزعة كالتالي: العلوم الدينية والاجتماعية والسياسية، التعليم والعلوم والفنون، الرحلات والتراجم، المؤرخون ومؤلفاتهم، النثر وأساليبه، الشعر والنقد.

الكتاب عبر صفحاته يعج بالمعلومات ذات الصلة بالأوضاع الثقافية كما ضم تراجم عشرات العلماء في شتى التخصصات سواء من برزوا في المغرب الأوسط أو في المشرق؛ كما سلط الضوء على العديد من مؤلفاتهم، ومن بين القضايا التي تطرق لها في ثنايا كتابه نذكر ما يلي:

إسناد الفاطميين ولاية المغرب للزيريين لم تكن بهدف حماية المذهب الشيعي لأن أمراءها لم يكونوا على ثقة تامة باستمرار ولاء الزيريين للمذهب فضلا عن أنهم عجزوا عن ترسيخه في أوساط العامة، بالتالي فهو لا يعدو اعتراف بجميل صنهاجة على وقوفها مع السلطة الفاطمية.

دفاعه عن بن هلال كلما تطرق للحديث عنهم؛ فقد رأينا في الجزء الأول أنه استنكر التغاضي عن حالات التخريب التي تسبب فيها قبائل بربرية، وجدد نفس الرأي مفندا رأي غوتييه وحسين مؤنس القائل بأن بلاد المغارب عاشت مرحلة مظلمة عقب الهجرة الهلالية متهكما عليهما بقوله ” ترى من كان يعيش عصر النور والتنوير عندئذ حتى يحق له إصدار هذا الحكم”. كما أرجع تهجم ابن خلدون عليهم سببا جعل المؤرخون الأوروبيون يعتمدون عليه كمصدر موثوق لتوجهاتهم المشبوهة، وحسب رأيه فإن بنو هلال وبنو سليم معتدى عليهم وليس المعتدين، حيث يقول في ص41″ خراب شمال إفريقيا على يدي بني هلال مشكوك في حجمه وفي فعاليته، والمؤرخون اللذين تحدثوا عن هذا الخراب سرعان ما نسوا أن المنطقة لم تكن بالخصب الذي يصفون ولا بالحضارة التي يدعون. نسوا بسرعة ما فعلته قبائل الجرمان (الوندال) مدة قرن، وما خلفته المقاومة الدوناتية ضد تحالف السلطة الزمنية (روما) والسلطة الروحية (الكنيسة) وأخيرا نسوا ما كتبوه عن غضب الكاهنة وإصدار أمرها بحرق المزارع وهدم المدن حتى لا يطمع فيها المسلمون، كما نسوا وقد لاح لهم شبح بني هلال، الحروب المذهبية التي انطلقت منذ القرن الثاني للهجرة وهي تحرق الأخضر واليابس أمامها في ثورات تعرف بثورات السكان ضد السلطة المركزية…فلماذا ينسى مؤرخوا الاحتلال كل هذا التراث الدموي لتلتصق الجريمة ببني هلال وحدهم؟”.

حرية الفكر خلال العهد المرابطي بالرغم من أمرهم بإحراق كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي، واستدل كقرينة على رأيه شيوع فتوى أبو الفضل النحوي القائلة بعدم صحة القسم لأنها يمين إكراه كما لم تذكر المصادر اضطهاده عقب هذه الفتوى المضادة لتوجه السلطة مكتفية بطرده.

تفنيد ادعاء ليفي بروفنسال على الحكم المستنصر الأموي بأنه جلب الفن البيزنطي إلى الأندلس للحد من تأثير بغداد معتبرا إياه تجني في حق الخليفة الأموي ووصفه بالجمود والتقليد في حين أن فترته عرفت ترسيخ للشخصية الأندلسية بما عرف عنه من اهتمام بالعلوم والكم الهائل من الكتب التي جمعها حتى بلغت أربعمائة ألف كتاب.

تناقض إنسان ما بعد الموحدين، فقد سجلت المصادر خلال هذه الفترة أنها عرفت تشييد العديد من المدارس والمساجد وفي نفس الوقت شهدت حروب ومجازر ودسائس حيث علق بقوله ” نحن أمام إنسان مغاربي غريب يحب الخير ويرتكب الشرور، يتحرك فيه الوازع والضمير ولكن بعد فوات الأوان”.

اعتبار الحفصيين دولتهم غير انفصالية على شاكلة الزيانيين والمرينيين لأنهم استغلوا فرصة انقاذ المذهب الموحدي بعدما تخلت عنه السلطة الموحدية وبالتالي فهي استمرار للدولة الموحدية بقيادة حفصية.

الدولة الزيانية لم تكن لها أطماع توسعية على غرار الحفصيين والمرينيين لأنهم أدركوا جيدا حجم قوتهم فسعوا للحفاظ على عاصمتهم وما جاورها من مدن، فالصراع في نظر السلطة الزيانية ليس ادعاءها أحقية وراثة التركة الموحدية كما تقول العديد من الدرسات بذلك.

التأثير السلبي للتصوف الذي تسللت إليه الكثير من البدع فأدى ذلك إلى تراجع الدراسات العلمية وتراجع مبدأ الحرية والاختيار تحت مفهوم التوكل الذي كان ذهنية كبلت الإنسان المغاربي وأدخلته دوامات الشطحات الصوفية وقصص الكرامات والخوارق وحادت به عن الواقع إلى عالم الخيال.

انصهار المشرق والمغرب عن طريق الزواج بالبربريات التي جرى سبيهن في الحملات العسكرية وهو ما أنتج جيل منصهر بالرافد المشرقي والمغربي وهو ما نتج عنه وحدة اللسان والثقافة الإسلامية.

اعتبار أمراء الدولة المرينية خاصة أبي الحسن أكثر تدينا من أمراء الدولة الزيانية والحفصية وذلك نظرا للمساجد والمدارس والأربطة والزوايا التي شيدها فضلا عن تخصيصهم الأوقاف وحفر العيون والآبار في المناطق الصحراوية.

ختاما لا يسعنا إلا أن نثمن هذا الجهد التوثيقي الكبير الذي حرص عليه الدكتور أبو القاسم سعد الله، والذي تمكن من خلاله بأن يتحف المكتبة التاريخية بمؤلف مميز يعتبر موسوعة جمعت بين صفحاتها معلومات هامة وآراء تصحيحية للعديد من القضايا التي شابت تاريخ المغرب الأوسط(الجزائر) خلال العصر الوسيط، أين اغتنم فرصة رد الشبهات التي وجدت تصديقا لها لدى شرائح عديدة من جمهور الباحثين والقراء على حد سواء.

اظهر المزيد

د. محمد ناصري

جامعة سيدي بلعباس (الجزائر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى